سرايا - للعامل الزمني الذي تولد فيه الأعمال الأدبية، أثرُهُ على الانطباعات التي يُخلفُها في القارئ وتحيله إلى مواجهة مع ما بات شائعًا حد الثبات، من أننا نعيشُ في عالمٍ مُتْخَمٍ بِالذكاء!
العملية، كما أتصورها، أننا وأثناء القراءة نربط الأحداث مع ما احتفظنا به من واقعنا المعاش وما تكتمت عليه المُخيِّلة، فتتوالد المعاني متدفقةً من مخزون ملاحظاتك وتماسك القريب أو البعيد مع الوجود. فتنشغلُ بوعيٍ أو دونه؛ بالتحقق أين العدالة، التغيير، الحق، والأرض؟
أقف في هذه الورقة على شخصية المجنون في النوفيلا «توابيت وقبر واحد» بوصفه أداة التغيير وسط فوضى العقلاء.
يظهرُ المجنون/فرحان بهيئةٍ باعثة على الألفة؛ يَعرِفُها كُلُّ من يقرأ الصفات اللصيقة بها؛ بل ويُمكنُهُ تَخَيُّلُها واستحضارُها من أرشيف جمعي موثوق: «كان واقفاً كالشجر يرتدي «قمباز» جده، عرفت لاحقاً أن والده أورثه إياه، يحمل بيده «مطرق رُمان»، وما إن رآني حتى لوّح به يمنةً ويسرة، طاقيته التي غزلتها أمه تقبع فوق رأسه الأشيب، الابتسامة التي يُخفي في ثناياها غبارَ السنينِ ومرارة الوقت وأشياء وأشياء، كلماتهُ التي يُرددها والمألوفة لجميع قريته، مِشيته المحببة، جُلوسهُ تحت شجرة التينِ قرب دُكان «أبو خضر الكرماوي» لحظات تفكيرهِ فيما سيحدث، نظراتهُ التي تمعن كثيرا وتقرأ رموز الرؤية الحقيقية خلفها». بهذا المدخل لتعريف شخصية المجنون نلمس أننا بحضرة رمز راسخ في الثبات «واقفاً كالشجر»، يحرس تراثه مهما بدت طرقه بسيطة إلا أنها أصيلة؛ قمباز، مطرق رمان، طاقية غزلتها الأم. جلسته حركاته كلماته وأغنيته المعروفة:
(شرّقوا الحبايب شَرّقه شرّقوا
ألف حَسرة على وِلفيّن تفرقوا).
أسطر قليلة تكشف لنا حدود الشخصية أكثر، وكأن الكاتب لم يشأ أن يتركنا طويلًا عند نظرة سطحية أولية- يظهر المجنون فرحان متأملًا، «تأخذه الصفنة أحياناً كعصفورٍ جريح وملتهب بالنار التي تستوطن داخله... الكل يعلم ماذا أصاب القرية منذ قدوم الخواجا «مناحيم» بعد الهزيمة؟ أنا الآن ينظرُ إلي الجميع كمجنون، ها أنا أسكن فضاءات الشوارع والأزقة، وتسكنني الغربة بين الأشجارِ ووعر الجبال، أنا الشاهدُ والمجنون في آن واحد، لحيتي وملابسي المهترئة اهتراء هذا الزمن الذابل، أنا المجنون والشاهد في الزمن المريض».
تنكشف الغمامة أكثر حالما نواجه أسئلة المجنون: «هذه هي حدودك أيتها القرية «غزالة»؟! أهذي هي شوارعك المرعبة في وضح النهار؟ أين أعراس بيادر القمح؟ أين دقةُ «اليرغول والمزمار»؟ أين الجدات ينزلن إلى حواكير البيوت؟.. وينشدن «يا مايلات العصايب».. أين؟ أين..؟ ويغط في النوم.
وفي ضوء بداية النوفيلا نلحظ أن المؤلف وسم مجنون القرية باسم فرحان، خلافا لما دللت عليه ملامحه وهمومه وأغنياته المشوبة بالحزن. كما عمد إلى إرشادنا إلى المكان: القرية غزالة، عبر تساؤلات مجنونها. إضافةً لهذا الإخلاص للتراث وتمظهراته: في شخصه أو في ذكرياته؛ فإنها تشكل ارتباكًا في المفهوم المتعارف عليه للجنون.
عند التعرض إلى باطن شخصية فرحان نفضي إلى نفي جنونه، لكن حالما نعود إلى أحاديث أهل القرية، يثبت العكس! وهو ما عبرت عنه فاطمة «زوجة المختار»، بعدما مرت بفرحان نائمًا تحت الشجرة فسألته عن بيته، ليجيب بدوره: «بيتي يا عمه، سرقه المختار وباعه للخواجا، وين أنام؟! أنت تعرفين؛ ما ظل لي بيت غير الشجرة! المختار يقول إن جدي باع له البيت، جدي وأنا بعرفه ما ببيع أرضه بكنوز الدنيا، لأن الأرض مثل العرض ما بتفرّط فيها.» فيأتي تعليقها: «شو بتقول يا فرحان، كلامك غير مفهوم، هاي أنت مجنون عن جدّ». بتسلسل للأحداث لا يخلو من التشويق يضعنا الكاتب أمام ما تسلم به فاطمة من جنون فرحان، قبال ما ذهب إليه شاهد في يقينه: «أنا متأكد أن فرحان ليس مجنوناً وهو يعرفُ تماماً هذا». وبينهما ينقدح سؤال المتلقي عن الداعي من وراء هذا التعتيم؟
في الفصل الثالث نجد الإجابة حينما نعي مكانةَ فرحان «الرجلُ الأشعثْ الأغبر، الذي يعلمُ سرَّ التلة الخضراء، المكسوة بالأعشاب وتغطيها الأشجار... تلك التلة التي تقبع وتعيش فيها الضباع، خاصة الضبع الموحش والمفترس الذي فتك بمعظم من مر من طريق الوادي، فرحان يتجول عبر طرقاتها لإيصال التموين للمجاهدين الخمسة المنفيين على أطراف الأرض».
وعلى الرغم من اللمحات التي نثرها عمر أبو الهيجاء هنا وهناك، فيما يخص السر المرتبط بفرحان وادعائه للجنون، إلا أن الإقرار جاء ثقيلًا تصاحبه مشاعر الإجلال والإكبار. وتصاحبه أيضًا آمالٌ علقها المختار عليه؛ بعدما فقد ابنه فالح: «فرحان واحد مجنون ربما يقتل الضبع، ويكون خلاص القرية على يدِّ هذا المجنون».
بما يشبه الوقفة السريعة: حينما اقترح فرحان على القرية أن يذهب وحده لملاقاة الضبع وقتله، وطلب منهم أن يحضروا مادة الكاز؛ استهزأ المختار أبو فالح بطلبه وقال: هذا واحد مجنون، وأنتم كمان مجانين مثله.. قال شو كاز. لكنه عاد باحثًا عن ذات المجنون حين سُدت الطرق أمامه عن إيجاد ابنه. وعند هذه النقطة تتخفف شخصية فرحان من الجنون كصفة لصيقة بها، كما نلمس تبدل أهل القرية في تعاملهم وتصديقهم لكل ما يأتي عليه فرحان؛ كنوع من الإيمان بأن التغيير لا يتأتى من المألوف والثابت؛ بل لا بد من شطحة هستيرية ليستقيم الاعوجاج وينقشع الظلم. وفي مكان ما، شعرتُ وكأن لسان حالهم يقول: «إنْ عَقِلَ قَومُكَ فجنونُكَ يَنْفَعُك»!
تختلف المسميات ويبقى الوحش واحد، وتأتي القرارات المصيرية من مجنون القرية ومجاهديها، في خطة محكمة الترتيب، ننشدُ معها ما يرمي إليه الكاتب من رمزية استكان لها. ونصل إلى الشرارة التي أشعلت الجنون، «بخطواتٍ واثقةٍ وثابتةٍ، يتجهُ فرحان حاملا في وعاءٍ كبيرٍ كميةً من «الكاز»، تخيل المكان الغارق بدم فالح ودم الكثيرين ممن استفرد بهم الضبع». وعلى الجهة المقابلة يستعد المجاهدون بترتيب من «أبو الجدايل» للإغارة على المستعمرة قرب غزالة «في نفس الليلة التي ذهب فرحان فيها لملاقاة ومهاجمة الضبع».
وبعدما أنجزت المهام؛ كان هذا الحدث كفيلًا بإعادة تعريف الجنون بعقد مقاربة بسيطة بين أبي الجدايل وفرحان؛ كلاهما متشردًا في السهول والبراري، ويملك من الشجاعة ما يكفيه لمواجهة الضبع. وعلى اختلاف الموقع الذي اختاره لهما الكاتب، وخلف الصمت الذي رافق أبا الجدايل، فإن قول فرحان كان كافيًا للتعبير عنهما معًا: «اسمعوني.. اسمعوني.. أنا فرحان مِش أهبل مثل ما بقول المختار.. أنا ابن هذه الأرض، وعمي «أبو الجدايل». الضبع مات.. أنا قتلتهُ.. أنا اللي خلصت القرية منه.. بس يا ناس «الضبع الثاني» لسه عايش جوانا ويتجول بيننا، مين يقتل الضبع الحقيقي».
وبعد، هل ما زالت المفاهيم تحمل وجهها الأول، أم أنَّ الأحداث العظمى تجبرنا على قراءةٍ مغايرة تفصح عن وجهها الثاني؟! لم يكن سؤالًا بقدر ما هو تأييدًا لهذا الجنون المنشود الذي انتصر له الكاتب.
عمر أبو الهيجاء في روايته توابيت وقبر واحد ينتصر للجنون والمقاومة!
منذ 1 ساعة
المشاهدات :
7933
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
ملفات ساخنة
هل يتقاضى رؤساء مجالس أمناء الجامعات رواتب شهرية؟ .. مصدر في "التربية" يُجيب عبر "سرايا"
منذ 4 أيام
04
آخر الأخبار
أخبار فنية
فن
إيلي صعب يجمع جوليا بطرس وعروستها لانا نصولي .. دموع وأغنية خاصة
منذ 11 دقيقة
فن
زفاف نجل جوليا بطرس: خجل أحمد سعد من "التفاهة" .. وسحر هيفاء وهبي
منذ 1 ساعة
فن
أحمد سعد في موريكس دور 2026 .. تكريم عن أغنيته ومزاح طريف مع راغب علامة
منذ 1 ساعة
فن
أحمد العوضى ضيف شرف فيلم «الفيل ع الدرفيل» بطولة أحمد فهمى وأسماء جلال
منذ 8 ساعات
فن
سيلين ديون في موقف مثير للجدل: "لا أعرف من هي فيروز"!
منذ 8 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
إصابة مروعة لأيوب الكعبي في الدوري اليوناني - فيديو
منذ 1 ساعة
رياضة
بعمر 41 عاما .. مودريتش يحسم مصيره مع كرواتيا
منذ 1 ساعة
رياضة
الاتحاد يحسم كلاسيكو النصر ويقدم هدية ثمينة للهلال
منذ 1 ساعة
رياضة
رسميا .. الاتحاد الجزائري يعلن عن المدرب الجديد للمنتخب الأول
منذ 8 ساعات
رياضة
"هذا ما تعلمته من الرقابة؟" .. اتحاد جدة السعودي يسخر من رونالدو بعد حسم لقاء الكلاسيكو
منذ 8 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
نصف مليون خلية تكشف ما يفعله الاكتئاب بمنطقة الذاكرة في الدماغ
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
بعد 44 عامًا .. جمهورية الدومينيكان تستعيد تاج ملكة جمال العالم 2026
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
من الأستاذ إلى الروبوت .. تجربة تعليمية تثير مخاوف طلبة أستراليا
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
حدث نادر .. نسر بجناح مكسور يأسر القلوب ويحلق بسماء أسكتلندا
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
ظاهرة النينيو تثير القلق .. هل تتأثر مصر؟
منذ 8 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات