وليد معابرة يكتب: بنطلوني البلدي ..

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 5723
وليد معابرة يكتب: بنطلوني البلدي ..
‏الكاتب الساخر وليد معابرة

‏الكاتب الساخر وليد معابرة

قبل عامين؛ اشتريت بنطالاً من العروض التي يُعدِّونها تجار الكساد على منتجات الصناعة المحليَّة؛ وقد فرحت بأنَّني حصلت عليه بثمنٍ بخس! فذهبت به مسرعاً إلى البيت؛ لأضعه في خزانة الملابس التي لا تحتوي إلا على بنطال قديم تمت صناعته أيام الحملة الفرنسيَّة، فقد اشتريته من تصفيات الملبوسات الأوروبيَّة البالية والعتيقة قبل أكثر من عشر سنوات؛ فغمرني –حينها- شعور الفرح؛ لأنَّني صرت أَمتلك بنطالين؛ أُبدِّلُ بهما في حضور المناسبات العامة، وأرتديهما في وقت "التشخيص، والعنطزة" وحضور الفعاليَّات الثقافيَّة التي اعتدت على المشاركة في معظمها.
بعد أن بدأَت آثار الكِبر والشيخوخة تلوِّن جسد "بنطلوني البلدي" الذي لم يزد عمره عن السنتين؛ أَخذته إلى دكَّان الخيَّاط القريب من بيتي، لعلَّه يُعيد أمجاده إلى قيد الحياة، أو أن "يرثيه" أو يضع عليه بعض الرُّقَع التي أَصبحت موديلاً رائجاً في الأَسواق الحديثة، حيث سيساعدني توافر الموديل على ارتداء ملبوسات لا يخجل منها الإنسان المعاصر؛ لأَنَّها تحمل مسمى "الترند" وهو ما يُشعرك بالتحضُّر الفكري والمدني معاً.
وبعد أن قدمت إليه البنطال المهترئ؛ نظر إليَّ الخيَّاط بسخرية؛ ثم وضع البنطال على "ماكنة الخياطة" وبدأ يدخل إِبرته الحادَّة في خاصرة "بنطلوني" وكأَنَّه طبيبٌ جرَّاح يائِسٌ من شفاء مريض يُصارع الموت، ثم رفع رأسه كعادة التجار الذين يحبُّون أن يتركوا آثار مكارمهم الكبيرة و "المهتِّة" الدائمة، ثم قال لي أمام الزبائن:
- "هو بنطلونك ما بتصلَّح، بس عشانك بدي أَصلحه"! ثم اقترب منِّي ليهمس في أُذني بأَنفاس مليئة بالشفقة:
- "بنطلونك ذايب يا زلمة، وبصراحة ما بقدر أَخيطه، لكن مش حاب أَكسفك قدام إللي بسوى وإللي ما بسوى؛ عشان هيك خذه وروِّح على بيتك أَحسنلك" واحفظ ما تبقَّى من ماء وجهك!
ابتسمت له ابتسامة المهزوم، وشكرته على شعوره النبيل، ثم تناولت "بنطلوني"، ومضيت سائراً في طريق عودتي إلى المنزل، وقد فقدت الأَمل في إعادة إعمار الهيكل التنظيمي "لبنطلوني البلدي" وإنعاش ما تبقى منه إلى قيد الحياة؛ ولكن "الزبانة" و "المهيرينة" التي أُعاني منها منذ صغري؛ لم تسعفني على السكوت! فقد كان رأسي يَطِنُّ ويوسوس لي بأنَّ "بنطلوني الأَجنبي" الذي اشتريته منذ عشر سنوات ونيِّف لم يزل صامداً ولم يغيِّره الزمن ولا الأَحداث الاجتماعيَّة أَو السياسيَّة أَو الفعاليَّات التي كنت أشارك بها متفاخراً بارتدائه، بل إِنَّه لم يتغيَّر رغم أنَّني أدَّيتُ واجباتي الاجتماعيَّة في ممارسة جميع أنواع الدبكات الشعبيَّة التي تزيِّن الأعراس وحفلات الميلاد، فلماذا انتهى عمر "البنطلون البلدي" في أَقلِّ من سنتين؟
عندها؛ بدأَت الوساوس والشكوك تخامرني، واستمرَّت الأَفكار السوداء تسيطر على عقلي طيلة الطريق، معلناً لنفسي ومتأَكداً من أنَّ ذلك الخيَّاط يمتلك من الأَجندات الخارجيَّة ما يؤهله أن يُسقط "الكاريزما" التي يَنماز بها "بنطلوني الشرعي" الذي أُعدُّه فخر الصناعة المحليَّة، وأَعتبره سيِّد المنتجات الوطنيَّة الفريدة! فقد بدأ الشيطان يراودني بمقارنات لم أَدرِ كيف جالَت في خاطري، متسائلاً بدهشةٍ واستغراب فأخذت أُحدِّثُ نفسي قائلاً:
- "طيِّب فيه عندنا وزراء من الصناعة الوطنيَّة" خدموا الوطن بأَعمار تزيد عن أعمار بعض الدول؛ ولم تنتهِ صلاحيَّاتهم بعد!
- وإِنَّ هناك "نوُّاب برلمان" ما زالوا يتربَّعون على كراسي التشريع منذ أكثر من ربع قرن، وما زالوا في قمة العطاء العنجهي!
- وإِنَّ هناك أُمناء عامين لم يزالوا جالسين على بطوننا لعقود خلَت؛ يُلمِّعون خطاباتهم بالإِنجاز والنهضة!
- بل إِنَّ كراسي الدولة كلُّها لم تزل صامدة! تتحمَّل الأَوزان الدسمة والدماء الثقيلة التي ترافقها منذ الولادة؛ فتشعرك أنَّ من يجلس عليها قد خرج للتوِّ من مصنع الوطنيَّة!
* إِذن؛ فالصناعة الوطنيَّة؛ صناعةٌ قويَّة ومتينة وتعيشُ عمراً طويلاً!
- فكيف "لبنطلوني البلدي" أن يُدانَ بالتهالُك بهذا القرار التعسفي؟
- وكيف يُحكم على "بنطلوني البلدي" بالفشل قبل أن يحظى بِأَبديِّة الخدمة؟
في تلك اللحظات، وبعد أن راودتني تلك الأفكار؛ أدرتُ وجهتي! ورحت عائداً نحو الخيَّاط؛ فوقفت أَمامه لأَتفحَّصه بعين الغضب، وأعاتبه عتاب الحاقد؛ ثم ابتسمت بسخريةِ رجلٍ متمرِّس في معرفة خفايا المؤامرات؛ وخاطبته ببلاغتي التي نزعت منه آخر ذرَّةٍ من الطمأْنينة؛ حتى بدأَ العرقُ يتصبَّب من جبينه، والشحوب قد بَانَ في وجهه، ليخاطبني من جديد خائفاً ومرتجفاً: والله يا أُستاذ "بنطلونك مهتري وماكل روح الخلِّ"! صدقني ما بتصلَّح! والله العظيم ما بتصلَّح..
عندها.. وبعد أن قرأت الخوف في عينيه، واللؤم بين شفتيه؛ تبيَّنت لي سوء نواياه؛ فأدركت أَنَّ بنطالي ليس مهترئاً، ولكنَّ المهترئ الحقيقي هو الخيَّاط نفسه، وإِنَّ الذي يساهم في إيقاف عجلة التنمية هي تلك القرارات التي يحيكها الحائِكُ بيديه، وإِنَّ العجز ليس في الوطن! بل في عناصر المعارضة؛ الذين لا يتركون حيَّاً يمشي على الأَرض إلا ويترقبونه بيعونهم الفارغة، وآفاقهم الضيِّقة، وكلماتهم الجارحة! التي كانت سبباً رئيساً في انتهاء العمر الافتراضي وانقضاء الفترة المصرَّح بها لخدمة بنطلوني البلدي.
الكاتب الساخر: وليد معابرة
قاتل البحث الميت
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم