هاني الفلاحات يكتب: المواطن المْجَوَّد .. حين تُحَوِّل العقود والأنظمة حياتنا إلى جحيم

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 19989
هاني الفلاحات يكتب: المواطن المْجَوَّد ..  حين تُحَوِّل العقود والأنظمة حياتنا إلى جحيم
هاني علي محمود الفلاحات

هاني علي محمود الفلاحات

تُخزن الذاكرة الشعبية أفكارها في كلمات ناعمة لكنها ثقيلة المعنى، ومنها كلمة "المْجَوَّدْ" التي يعرفها أصحاب الإبل والخيل والأنعام؛ وهو الحيوان المربوط بخِطامٍ مُحكم لا يُترك له فيه مجالٌ للمناورة أو الفكاك، العبرة هنا ليست في وجود الحبل ذاته، بل في إحكام الرباط لتبقى السيطرة مطلقة، المفارقة المحزنة اليوم هي أن الإنسان المعاصر الذي كان يخشى قديماً أن يُربط حيوانه بإحكام حتى لا يفلت، بات يجد نفسه اليوم مُجَوَّداً بحزمة متداخلة من الحبال والالتزامات التي لا يملك تعديلها أو التفاوض عليها.
اختلال ميزان التفاوض: الإذعان باسم القانون
في العلاقة الطبيعية بين المتكافئين، يتفاوض الطرفان ويحاول كل منهما تجويد موقفه مع إبقاء هامش للمناورة إذا تغيرت الظروف، غير أن هذه المساواة تختفي تماماً عندما يتعامل المواطن مع احتكارات رسمية أو شبه رسمية؛ كشركات المياه والكهرباء والاتصالات، أو دوائر التراخيص، أو المؤسسات المصرفية.
• عقود الإذعان الخدمية: لا يملك المواطن رفاهية الاستغناء عن الماء أو الكهرباء أو الإنترنت، فهو يدخل العقد محتاجاً لا مستهلكاً اختيارِياً، لتتحول الشروط أحادية الجانب إلى أمر واقع يُفرض تحت طائلة قطع الخدمة.
• دوائر التراخيص والرسوم: يتحول السعي المبرر للرزق إلى رحلة مراجعات تتكاثر فيها الأوراق والرسوم والموافقات، ليتحول الترخيص الذي أُوجد لحماية المجتمع إلى العقبة الأولى أمام من يريد أن يعمل وينتج.
• الحبل المصرفي وشبكة الكفلاء: يتجسد التجويد الأقسى عند الحاجة للتمويل؛ إذ يواجه المقترض حزمة معقدة من الرهونات والتأمينات والشروط التي تحتاج إلى عدسة مكبرة لفهمها، ويزداد الأمر تعقيداً مع الفوائد المتغيرة والشروط المزاحمة لكرامة المقترض وكفيله.
غياب هامش الأمل: حين يموت المشروع لينجو القرض
إن الخطر الأكبر في هذا الإحكام يكمن في سلب المواطن "هامش الأمل"؛ أي قدرته على التكيف أو إعادة الجدولة عند حدوث الأزمات والظروف القاهرة، البنك أو شركة الخدمة تنظر للتعثر كملف مخاطر وإجراءات تحصيل، بينما يمثل المشروع للمواطن حياة وعمالاً وأسرة وسمعة، وحينها تصبح حماية المؤسسة من المخاطر مقدمة على حماية الأصل الإنتاجي من الانهيار، نصل إلى نتيجة اقتصادية عكسية يموت المشروع لكي ينجو القرض، وتتوقف عجلة الإنتاج، وتتحول الأصول التي صُممت لإنتاج الدخل إلى وسائل لاسترداد الدين، دون النظر إلى التكلفة الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن تعثر الأفراد والشركات.
إعادة التوازن: فك العقدة لا يعني قطع الحبل
إن المطلب العادل ليس إنهاء القوانين أو إسقاط الضرائب وإلغاء البنوك، فالقانون والأنظمة أدوات تنظيمية لا غنى عنها، ولكن المطلوب هو إعادة التوازن بين حقوق الطرفين:
1. إصلاح عقود الإذعان الخدمية: وضع أطر رقابية مشددة تمنع فرض رسوم غير مبررة أو شروط تعسفية، وتضمن حق التظلم والشفافية.
2. تبسيط منظومة التراخيص: اختصار الإجراءات وتطبيق المبدأ الرقمي الحقيقي لتقليل الكلفة والوقت على المستثمر والصانع والمزارع.
3. تطوير تشريعات التمويل والإفلاس: إيجاد آليات مرنة لإعادة الهيكلة تحمي المشروع المتعثر وتساعده على الوقوف مجدداً بدلاً من دفعه فوراً نحو التصفية والانهيار.
4. توفير عقود واضحة العبارة: حق المتعاقد في فهم كافة الالتزامات وآليات الفائدة والرسوم بلغة مباشرة لا تحتاج خبيراً قانونياً لفك رموزها.
5. وقف ابتزاز المدين وكفلائه وإبقاء حقهم في العيش الكريم قبل حق البنك: فلا يعقل ان يستولى البنك على كل او الجزء الأكبر من دخل المقترض والكفيل لضمان حقة وتركهم في ظروف معيشية قاسية.
الاقتصاد الصحي لا يقوم على الخوف من الغرامة أو الشلل الإداري، بل على إعطاء الإنسان مساحة آمنة للعمل والإنتاج؛ فالقوانين والعقود أدوات صممها الإنسان لخدمة الحياة، ومتى ما أصبحت هذه الأدوات سبباً في خنقه، أصبحت مراجعتها وتعديلها ضرورة وطنية واقتصادية لا تحتمل التأجيل.
لا يمكن للمجتمعات أن تنمو بصحة وسلاسة إذا استمرت العلاقة بين المواطن ومؤسساته قائمة على مبدأ "تجويد الرباط" لحرمانه من الحركة؛ فالتنظيم الحقيقي هو الذي يحفظ للخدمات جودتها، وللإنسان كرامته وحريته وهامش أمله.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم