سرايا - بعد أيام قليلة من إعلان واشنطن عن جولة جديدة من العقوبات الاقتصادية على إيران، بات نقص البنزين في البلاد واضحًا للعيان في الشوارع.
وفي مدن إيرانية مختلفة، أفاد سائقون بوجود طوابير انتظار تمتد لساعات طويلة في محطات الوقود.
ووفق وكالة DW، تُظهر مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بعض الأشخاص يصلون قبل منتصف الليل أو ينامون في سياراتهم لتأمين الوقود لصباح اليوم التالي. وتضطر بعض المحطات إلى الإغلاق قبل خدمة جميع المنتظرين في الطابور.
والوضع أكثر صعوبة بالنسبة للديزل، حيث يقول سائقو الشاحنات إن طوابير الانتظار في محطات الوقود قرب المدن الكبرى تمتد لكيلومترات، مما يضطرهم إلى الانتظار طوال الليل لمجرد الحصول على كمية كافية من الوقود للعودة إلى العمل.
وتواجه إيران عجزًا في البنزين يبلغ حوالي 15 مليون لتر (حوالي 4 ملايين غالون) يوميًا.
وقد فاقمت أضرار الحرب، وصعوبات استيراد المنتجات المكررة، وتشديد الحصار الأمريكي، من حدة هذه المشكلة الهيكلية القديمة.
ساعات في طوابير طويلة
وأخبر أحد سكان مدينة كرج، الواقعة غرب العاصمة طهران، شبكة DW أن بعض محطات الوقود تحدد كمية البنزين المسموح بشرائها للفرد بحوالي 5 لترات (نحو 1.3 غالون).
وقال، "أنا الآن في طابور البنزين، استغرق الأمر حوالي 45 دقيقة للوصول إلى هنا، بالأمس، زرتُ عدة محطات، بعضها كان مغلقًا، وبعضها الآخر خاليًا من البنزين، بينما كانت الطوابير في محطات أخرى طويلة جدًا".
وأضاف أنه عاد في الساعة السادسة صباحًا من اليوم التالي على أمل تجنب الازدحام، لكنه وجد طابورًا طويلًا مرة أخرى.
ويشتبه في أن هذا النقص يُستخدم جزئيًا لتهيئة الرأي العام لارتفاع أسعار البنزين، وهو ادعاء لم يتسنَّ التحقق منه بشكل مستقل.
أما بالنسبة لسائقي الشاحنات، فالانتظار يعني خسارة في الدخل. وقال أحد السائقين، "نقضي حياتنا إما في طابور الديزل أو على الطريق".
ووصف كيف كان ينام في محطة وقود بانتظار شاحنة صهريج قد تصل حوالي منتصف النهار وتزود بضع عشرات من الشاحنات فقط.
وقال سائق آخر إنه ينتظر منذ الساعة الثامنة صباحًا بعد فشله في الحصول على وقود الديزل في اليوم السابق.
وبالنسبة للسائقين الذين تعتمد أرباحهم بشكل مباشر على استمرار عمل مركباتهم، فإن كل يوم ضائع يزيد من تكاليف التأمين والإطارات والزيوت والإصلاح والصيانة المتزايدة.
البنزين المغشوش
وتزامن النقص في البنزين مع استخدام الميثانول في إنتاجه المحلي.
وأكد الرئيس التنفيذي لشركة نفط إيرانية، وحيد غني فرد، مؤخرًا أن المصفاة بدأت باختبار الميثانول كمادة مؤكسدة في البنزين.
وتقول الشركة إن الميثانول يشكل نحو 0.5% من المزيج، بينما تقول سلطات التكرير الإيرانية إن معيار الوقود الوطني يسمح بتركيزات ميثانول تصل إلى 3%.
ويصر المسؤولون على أن التجربة تتوافق مع المتطلبات الفنية، إلا أن توقيتها أثار شكوكًا لدى الرأي العام.
وتُظهر مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت سائقين يحملون زجاجات وقود شفافة بشكل غير معتاد، ويقولون إن جودة البنزين قد تدهورت.
وزعم البعض أن الماء أو الكحول بكميات كبيرة يُخلط بمياه الشرب، ولم يتم التحقق من هذه المزاعم بشكل مستقل.
وفي مدينة رفسنجان، أقرت السلطات المحلية بخلط الماء بالبنزين في محطة وقود بعد أن أظهرت مقاطع فيديو أعطالاً في السيارات والدراجات النارية.
وقال المسؤولون إن الحادثة ناجمة عن عطل فني، ويجري التحقيق فيها.
انعدام الثقة
وبالنسبة لسائقي السيارات الذين يعانون أصلاً من نقص الوقود، قد تُفاقم الحوادث الفردية المخاوف العامة.
وأخبر أحد سكان طهران DW أنه أنفق نحو مليار تومان - ما يعادل 5250 دولارًا أمريكيًا (4529 يورو تقريبًا) وفقًا لأسعار الصرف الحالية - لإصلاح سيارته بعد تعطل عمود المرفق.
ويعتقد أن رداءة نوعية البنزين هي سبب العطل، على الرغم من عدم وجود دليل قاطع على ذلك. وأضاف أنه يتردد في الاحتجاج علنًا.
وأخبر ساكن آخر في الري، جنوب طهران، DW أن سائقي السيارات تجمعوا أمام محطة وقود بعد تعرض عدة سيارات لأضرار عقب التزود بالوقود.
ولا يقتصر القلق على الجانب التقني فحسب، بل يعكس انهيارًا أعمق في الثقة بين المستهلكين والسلطات في وقت تناقش فيه الحكومة أيضًا رفع أسعار البنزين والديزل.
وتزعم طهران أن نظام الدعم الحالي يشجع على الاستهلاك المفرط والتهريب، ويفرض عبئًا لا يُطاق على المالية العامة.
لكن المستهلكين يشيرون إلى قضايا أخرى مثل السيارات غير الفعالة، ووسائل النقل العام غير الكافية، والدخول التي لم تواكب التضخم.
هل يتم التخطيط لرفع الأسعار؟
ويعتقد الخبير الاقتصادي حسن منصور أن الحكومة تُهيئ الأرضية السياسية لرفع أسعار الطاقة.
وقد زعم المسؤولون مرارًا وتكرارًا أن أسعار البنزين في إيران منخفضة بشكل مصطنع، وأن كميات كبيرة منه تُهرّب إلى الخارج، وأن الاقتصاد يستهلك طاقةً لكل وحدة إنتاج أكثر بكثير من الدول المماثلة.
ما وراء طوابير البنزين في إيران.. أزمات تتجاوز نقص الوقود - صورة 9
ويتمثل الحل المقترح في تقريب أسعار الوقود المحلية من المستويات العالمية.
وقال منصور لـDW، "مرة أخرى، تجد الحكومة نفسها تُمهّد الطريق لرفع أسعار الوقود". لكن المشكلة أعمق من مجرد دعم البنزين.
وأشار منصور إلى الوضع المالي لقطاع النفط الإيراني، حيث تُشير وثائق الميزانية إلى أن شركة النفط الوطنية الإيرانية مدينة بعشرات المليارات من اليورو للبنك المركزي والبنوك التجارية، كما أنها مدينة بمبالغ طائلة لصندوق التنمية الوطني، وتواجه التزامات ضريبية كبيرة.
وأوضح منصور أنه عندما يتعذر سداد هذه الديون، فإنها تُضعف المالية العامة للدولة وتُساهم بشكل غير مباشر في عدم استقرار العملة والتضخم.
لذا، يُمكن أن يُشكّل رفع أسعار البنزين إجراءً لإدارة الطلب ومصدرًا لإيرادات إضافية
الرجاء الانتظار ...
التعليقات