الحراسيس ورئاسة الأركان .. لماذا الآن؟

منذ 38 دقيقة
المشاهدات : 18319
الحراسيس ورئاسة الأركان ..  لماذا الآن؟
يوسف الطورة

يوسف الطورة

لفتني ما أورده الكاتب ماهر أبو طير عن سؤال صحفية أمريكية تقيم في لندن، حول ما إذا كان تغيير رئيس هيئة الأركان مرتبطاً بالصواريخ الإيرانية، وكأن إيران أحدثت ارتدادات داخلية في الأردن.

أبو طير رفض هذا الربط واعتبره "غير أخلاقي"، وأن التغيير يأتي في سياق طبيعي بعد سبع سنوات قاد خلالها الجنرال الحنيطي المؤسسة العسكرية، وحظي بإشادة ملكية عقب إحالته إلى التقاعد.

اللافت أن التوجيه الملكي لرئيس هيئة الأركان الجديد بمواصلة جهود إعادة هيكلة القوات المسلحة يؤكد استمرارية النهج الذي بدأه الجيش طيلة وجود الحنيطي على رأس المؤسسة العسكرية، وأن التغيير أقرب إلى انتقال طبيعي في القيادة منه إلى انعكاس لأزمة أو تداعيات إقليمية طارئة.

واللافت أيضا أن الحنيطي رفع إلى رتبة فريق قبل إحالته إلى التقاعد وهذه إشارة تقدير واضحة ولا تحمل او تستدعي البحث عن تأويلات أخرى، وأن مغادرة المؤسسة تأتي في سياق متطلبات المرحلة، لا حكماً على المرحلة السابقة.

لغة الملك في رسالته إلى الحنيطي مهمة جداً، فالملك وصفه بأنه "مثال للخدمة العسكرية المخلصة"، وقال إنه يغادر موقعه بعدما أنجز واجبه باقتدار، هذه ليست لغة لوم أو تحميل مسؤولية، وانما رسالة تقدير لا تحتمل التأويل أو التحريف.

قبل قرار اليوم، الحنيطي كان لا يزال يمارس مهامه بصورة طبيعية حتى أمس، وظهر في نشاط عسكري يتعلق بالتدريب والتحديث، وهذا يعني أن المسألة يقيناً قرار مؤسسي مخطط وليس استجابة لحدث طارئ ظهر خلال الساعات الأخيرة.

الرسالة الموجهة للرئيس المكلف للتو اللواء مجدي الحراسيس تكشف الأولويات، والأهم هو ما طلبه الملك منه "مواصلة إعادة الهيكلة والتحديث، رفع الجاهزية والكفاءة، والاستعداد للتهديدات الإقليمية المستجدة".

هنا تظهر دلالة التغيير، الأردن لا يتعامل مع الجيش باعتباره مؤسسة ساكنة وانما مؤسسة مطالبة بإعادة إنتاج أدواتها باستمرار وفق طبيعة التهديدات الجديدة.

الحراسيس لم يأتي إلى رئاسة الأركان من مسار عسكري تقليدي، وهذا يعطي التعيين معنى إضافياً الجمع بين الخبرة العملياتية والأمنية والاستخبارية في قيادة الجيش خلال مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.

الجنرال الجديد القادم من مواقع عسكرية وأمنية حساسة، آخرها إدارة الاستخبارات العسكرية، وهو موقع يجعله قريباً من ملفات الحدود، الجماعات المسلحة، التهريب، المعلومات الاستخبارية، وتقدير المخاطر الإقليمية.

الأردن موجود في منطقة تتقاطع فيها ملفات غزة، الضفة الغربية، سوريا، العراق، أمن الحدود، الطائرات المسيرة والصواريخ، إضافة إلى التحولات في طبيعة الحرب نفسها.

ولهذا فإن الحديث عن تحديث الجيش وإعادة الهيكلة، والتهديدات الحالية والمستقبلية في الرسائل الملكية ليس تعبيراً بروتوكولياً عابراً، بل أقرب إلى عنوان المرحلة المقبلة.

مؤخرا انتقل الأردن من التعامل مع تهديدات حدودية تقليدية إلى بيئة أكثر تعقيداً، حرب غزة وتداعياتها، تصاعد التوتر الإسرائيلي الإيراني، تداعيات الضفة الغربية، عدم استقرار الحدود السورية، الطائرات المسيرة والتهريب المسلح، الصواريخ، حرب المعلومات والحرب السيبرانية، وهو تغير طبيعة الحدود من خطوط جغرافية إلى فضاء أمني مفتوح.

وفي السنوات الأخيرة أصبحت الحدود الشمالية خصوصاً ساحة لمواجهة شبكات تهريب تستخدم وسائل غير تقليدية، بينها المسيرات والبالونات.

الأردن لا يواجه سوريا كدولة عدو بالمعنى التقليدي، وإنما يواجه ما يأتي من الجغرافيا السورية تهريب مخدرات، أسلحة، شبكات إجرامية، جماعات مسلحة، طائرات مسيرة، واحتمالات تغير موازين القوى في الجنوب السوري.

الأردن لا يستطيع التعامل مع حرب غزة باعتبارها حرباً بعيدة عنه، جغرافياً الضفة الغربية ملاصقة للأردن، وأي تغيير في الضفة سواء في الأمن أو السكان أو طبيعة السيطرة الإسرائيلية أو محاولات التهجير ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الوطني.

الحدود الغربية لم تعد ملفاً سياسياً، وانما أصبحت ملفاً أمنياً وعسكرياً أكثر حساسية وتعقبداً، والأردن يجد نفسه بين ثلاث دوائر سوريا شمالاً، فلسطين وإسرائيل غرباً، والتهديدات الإقليمية العابرة للحدود شرقاً، ولهذا تصبح الاستخبارات جزءاً مركزياً من إدارة الدفاع الوطني.

اليقين مركز الثقل في العقيدة الدفاعية الأردنية يتحرك تدريجياً من "كيف نواجه التهديد؟" إلى " كيف تكتشف المخاطر قبل وصولها؟".

في الحروب الحديثة من يمتلك المعلومة يمتلك نصف المعركة، المسيرة لا تحتاج جيشاً لاستخدامها، شبكة التهريب لا تحتاج دولة لكي تعمل، الجماعة المسلحة لا تحتاج دبابة لكي تهدد الحدود، والحرب السيبرانية لا تحتاج جندياً لكي يتخطى الحدود.

لذلك فإن حديث الملك عن التهديدات الإقليمية المستجدة واختيار شخصية استخبارية لرئاسة الجيش يصبح أكثر قابلية للقراءة ضمن مفهوم الاستعداد لسيناريوهات غير تقليدية، وليس بالضرورة الاستعداد لحرب تقليدية.

الثابت الملك لا يغير رئاسة المؤسسة العسكرية الا لضرورة طبيعة المرحلة المقبلة، قيادة جديدة لتنفيذ مرحلة جديدة
من استمرار التحديث وإعادة الهيكلة والجاهزية.

لهذا أرى جازماً أن القرار الملكي أقرب إلى توجيه بوصلة المؤسسة العسكرية وفق متطلبات طبيعة المرحلة في ظل تصاعد المخاطر الإقليمية، وإن اختيار الحراسيس أصبح مفهوماً ضمن سياق الاستباق الأمني وإدارة المخاطر.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم