وليد معابرة يكتب: طوفان المناصب ودفن التعليم

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13411
 وليد معابرة يكتب: طوفان المناصب ودفن التعليم
‏الكاتب الساخر وليد معابرة

‏الكاتب الساخر وليد معابرة

أما قبل؛ فإنَّني ما التقيتُ بمديرٍ إلا حدّثني عن نجاحاته، وما التقيتُ بوزيرٍ إلا حدَّثني عن إنجازاته، وما جلستُ إلى نائبِ أُمّةٍ إلا حدّثني عن الإصلاح، وما اقتربتُ من طالب دكتوراه إلا أخبرني أنّه أضاف إلى العلم ما لم يُضفه السابقون، وما جلستُ إلى كاتبٍ إلا أقسم لي أنَّه تجاوز "طه حسين"، بل إنَّني ما تعثّرتُ بفاسدٍ قط إلا وجدته أكثر الناس حديثاً عن النزاهة والقيم والأخلاق، ومع كلِّ تلك الأحداث؛ فإنَّنا لم نتعلَّم بعد! ولا أدري لماذا؟ ربما لأنَّ إِكرام التعليم دفنه.

إنَّه بعد هذا الطوفان الهائل من النجاحات والإنجازات والإصلاحات والإضافات العلمية والتفوق الأدبي والأخلاق الرفيعة، جلستُ أبحث عن أثرٍ واحدٍ لكلِّ ذلك؛ فلم أجد سوى أنَّ المشكلة تكمُن في عيني، أو قد تكون في سوء تقديري، أو ربما في التعليم نفسه! لدرجة أنَّني بدأت أُقنع نفسي بأنَّ التعليم قد تطوَّر إلى درجة جعلته عصيَّاً على الاكتشاف!
في الحقيقة أنَّنا لا نقتل التعليم؛ بل نكرِّمه حينما نرتدي له أفخم العبارات، ونرفع له الشعارات، ونقيم له المؤتمرات، ونكتب عنه الاستراتيجيَّات، ثم نحمله في جنازة رسميَّة تليق بمقامه السامي، ونقف دقيقة صمت؛ حداداً على ما تبقى من أثره، لنعود بعدها إلى مكاتبنا؛ فنتناول فنجاناً من القهوة التي تولِّد لنا القريحة الوقَّادة لكتابة شيءٍ جديدٍ عن النهضة.
وأما بعد؛ فإِنَّ الناظر إلى ما يحدث في بلادنا؛ سيدرك تماماً أنَّه ليس مهماً أن تكون صاحب مشروع علمي لكي تكون مسؤولاً عن التعليم، كما أنَّك لا تحتاج أن تكون صاحب رؤية لكي تكون وصياً على مستقبل أجيال كاملة! فكلُّ ما يتطلَّبه الأمر منك هو أن تكون (مناسباً للمناسبة)، وهذه هي العبقرية الإدارية التي لم تكتشفها جامعات العالم بعد! فالتعليم في بعض ثقافاتنا الإدارية ليس علماً ولا بحثاً ولا عقلاً نقدياً ولا إنتاجاً للمعرفة، إنَّه مجرد ساحة اجتماعية واسعة يمكن أن تعقد فيها جلسات المجاملة، وتوزعَّ فيها المقاعد، وترد فيها المجاملات، وتسدَّد فيها الفواتير القديمة! أما الكفاءة؛ فليست سوى ضيفٌ ثقيلُ الظلِّ قد يُفسد علينا حفلة التعيينات.
إنَّ ما يحدث في بعض التنسيبات والتعيينات المتعلِّقة بمجالس أُمناء الجامعات ليس تفصيلاً إدارياً عابراً؛ لأنَّ مجلس الأمناء ليس مجلساً اجتماعياً لإكمال النصاب، ولا صالونا لتبادل التحيَّات، ولا جائزة ترضية لمن انتهت مهمته في مكان آخر. بل إنَّه في أبسط تعريفاته يُعدُّ واحداً من المواقع التي يُفترض أن يؤتمن أصحابها على مستقبل المعرفة. لذلك يصبح الأمر مثيراً للسخرية حينما يكون الأكاديمي الذي تحيط به شبهات حول النزاهة العلميَّة قد وجد طريقه إلى موقع يفترض أن يكون عنواناً للنزاهة، أو حين يتحوَّل المال إلى مؤهل أكاديمي غير مكتوب في الشهادات، فيصبح من يملك القدرة على شراء الدراسات والبحوث الجاهزة والموافقات المعلَّبة شريكاً فاعلاً في صناعة القرار العلمي.

إنَّه من المؤسف حقاً أن يكون بين الأكاديميين من تثار حوله شبهات سرقة أكثر من عشرة أبحاث علمية، ثم يجد طريقه إلى منصب عميد لإحدى الكليَّات؛ المنصب الذي لم يحصل عليه بفضل إنتاجه العلمي ولا بتميُّز أبحاثه، وإنما لأنَّه كما يقال في لغة المجالس: ("شوال مصاري"، "كريم اليد في توزيع العطايا"، و "سخيُّ النفس في إقامة الولائم وفتح الموائد")؛ عندها لا نكون أمام خللٍ عابر من معايير الاختيار، بل نكون أمام فساد يمشي على قدمين؛ يرتدي عباءة أكاديمية ويحمل لقباً علمياً، ثم يتولَّى يواصل بعدها مهمة تعليم النزاهة وأخلاقيات البحث العلمي لطلبته الجدد.
وإنَّه من المؤسف أيضاً أن يكون بين الأكاديميين من اعتاد الاستعانة بمكاتب الخدمات البحثية التي تكتب له الدراسات والأبحاث من الألف إلى الياء، ثم يضع اسمه عليها بكلِّ ثقة وهو لا يكاد يفقه من محتواهاً شيئاً! عندهاً سنكتشف أنَّه لن يعدو قدره عن قدر المقاول الذي يُنفِّذ ما يجده في المخططات الهندسية الجاهزة! ثم يقف بعدها أمام الطلبة والأكاديميين في المؤتمرات ليتحدث عن المنهجية والرصانة العلمية؛ وكأنَّه أَفنى عمره بين المختبرات والمكتبات، في حين أنَّ علاقاته بأبحاثه لا تتجاوز معرفة رقم الحساب البنكي الذي تم استعماله في تحويل المبلغ إلى مدير مكتب الخدمات! عندها سندرك أنَّنا لم نصنع أكاديمياً؛ بل صنعنا صنماً يحمل لقباً علمياً أكبر بكثير من رصيده المعرفي، وإنَّ الأسوأ من ذلك أن نكتشف أنَّ هذا الأكاديمي قد تمَّت مكافأته بموقع قيادي في إحدى الجامعات وعضواً في أحد مجالس الأمناء؛ لنتأكَّد بعد فوات الأوان أنَّنا قد ساهمنا في استقرار الصنم الذي لم يصنع المعرفة لكنَّه أصبح وصياً عليها، ولم يصنع البحث ولكنَّه أصبح حاكماً على الباحثين، وسنكتشف أنَّ الفساد لم يعد حالة فرديَّة، بل إنَّه قد تحوَّل إلى منظومة كاملة تكافئ الجهل لمجرَّد أنَّه "شوال مصاري" يرتدي بدلة أكاديميَّة.

أريد أن أقول بعد أن صار الكلام وليس الصمت من ذهب: إنَّ أخطر ما أخشاه على التعليم هو أن نتقبَّل تلك الأخطاء، ونوافق –ضمناً- على أن تتحوَّل إلى منهج في الاختيار، وإلى قاعدة تكافئ من يملك المال والعلاقات أكثر مما تكافئ من يملك العلم والنزاهة، فحين يصبح "شوال المصاري" جسراً إلى العمادة، وتصبح العمادة جسراً إلى مجلس الأمناء، فإِنَّ المال سيكون قد قطع الرحلة كاملة من جيبه الخاص إلى رأس المؤسسة الأكاديمية، عندها لا يعود السؤال: من سرق البحث؟ ومن اشترى الدراسة؟ ومن أقام الوليمة؟ ومن دفع الفاتورة، بل يصبح السؤال الأكبر والأخطر هو: من سرق مستقبل الجامعات؟ فالجامعات لا تنهار عند هدمِ جدرانها، وإنَّما تنهار عندما تُهدم معاييرها! وإنَّ التعليم لا يموت عندما يقلُّ عدد الكتب في المكتبات، لكنَّه يموت عندما يصبح صاحب الكتاب أقلَّ قيمة من صاحب المال، ويصبح الباحث النزيه أقلَّ حظاً من صاحب العلاقات، ويبات من لم يصنع المعرفة مؤتمناً على مستقبل صانعيها! عندها لن يكون ما حدث مجرَّد تعيين خاطئ يمكن تصحيحه بقرار إداري جديد، بل سيكون شهادة على زمن اختلطت فيه (الألقاب بالحقائق)! و (المناصب بالكفاءات)! و (الولائم بالإنجازات)! و (المال بالعلم)!

فإذا بقينا على هذه الحال، ورضينا أن تُدار مؤسساتنا بهذه الطرق، وقبلنا أن نجادل في المجد بدل أن نصنعه؛ فإنَّه حتماً سينتهي بنا الأمر إلى أن نصبح حاشية في كتب الآخرين؛ مكتوباً في مضمونها: أنَّنا أُمة نامت حتى طمسها الغبار، وعندما استفاقت؛ سلَكَت خطاً متعرجاً، فاستقالت من مهامها، وبدأت تحفر قبورها وتخيط أَكفانها؛ استعداداً للمغادرة الإجبارية والانسحاب من التاريخ.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم