من المستفيد من إبقاء المنطقة فوق صفيح النار؟ لم يعد السؤال اليوم: من يقف مع إيران؟ ومن يقف مع إسرائيل؟ ومن مع الولايات المتحدة؟ السؤال الأكثر خطورة هو: من المستفيد من أن تبقى المنطقة العربية في حالة حرب مفتوحة، ومن المستفيد من تحويل الجغرافيا العربية إلى مسرح دائم لتبادل الصواريخ والرسائل والنفوذ؟
ما يجري أمامنا لم يعد حدثاً عابراً، إيران تضرب أهدافاً أمريكية داخل دول عربية، وإسرائيل تواصل عملياتها في غزة ولبنان وسوريا، وبينهما تتحول العواصم والمنشآت والمجالات الجوية العربية إلى ساحات للصراع. وخلال التصعيد الحالي تعرض الأردن ودول خليجية لهجمات إيرانية، فيما أكدت دول الخليج والأردن أن الهجمات استهدفت أراضيها ومرافق الطاقة والموانئ والمطارات ومنشآت مدنية.
وهنا يجب أن يكون الموقف العربي واضحاً لا يحتمل التأويل: إذا كانت إيران تريد مواجهة الولايات المتحدة، فليكن صراعها مع الولايات المتحدة، وليس مع الدول العربية، ووجود منشأة أو قاعدة أمريكية على أرض عربية لا يجعل الدولة العربية طرفاً في حرب لا تريدها، ولا يمنح طهران تفويضاً باستهداف سيادة تلك الدولة أو تعريض مواطنيها ومنشآتها للخطر.
وهذا تحديداً ما يجعل السلوك الإيراني أمام اختبار حقيقي، فالدول العربية التي تعرضت للهجمات ليست دولاً أعلنت الحرب على إيران، بل وجدت نفسها في مرمى النيران بسبب موقعها وتحالفاتها واستضافتها لقواعد أو قوات أمريكية، والأردن تحديداً أعلن مراراً أنه ليس طرفاً في الحرب، بينما واجه اعتراض صواريخ ومسيّرات دخلت مجاله الجوي.
لكن الصورة لا تكتمل من دون الطرف الآخر،،، إسرائيل أيضاً ليست خارج معادلة الفوضى،، فغزة ولبنان وسوريا تقدم يومياً صورة واضحة عن طبيعة الصراع الذي توسع من جبهة إلى أخرى، وعن سياسة عسكرية جعلت المنطقة كلها تعيش على حافة انفجار جديد، وهكذا يجد العربي نفسه أمام قوى إقليمية ودولية، تتواجهان في العلن، بينما تتحول ساحات عربية عديدة إلى مسارح لهذه المواجهة.
وهنا يبدأ السؤال الأكثر عمقاً: هل يكفي أن نقرأ الأحداث من زاوية العداء المعلن بين إيران وامريكيا وإسرائيل، أم يجب أن نقرأ نتائج هذا الصراع على الأرض العربية فالنتيجة واحدة: استنزاف عربي، تعطيل للتنمية، تهديد للممرات التجارية، اضطراب في أسواق الطاقة، استنزاف للقدرات العسكرية، وتكريس الاعتماد على القوى الخارجية، بل إن التصعيد الأخير دفع أسعار النفط إلى الارتفاع وأعاد المخاوف حول أمن مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وهنا لا بد من التمييز بين الحقيقة والفرضية،، هناك من يذهب إلى القول إن ما يجري هو نتيجة تنسيق استخباري إيراني–إسرائيلي ودول آخرى أو ترتيبات سرية بين الأطراف لإبقاء المنطقة مشتعلة، هذه فرضية سياسية تستحق الدراسة، لكن لا يجوز تقديمها باعتبارها حقيقة ثابتة من دون أدلة علنية قاطعة، أما الثابت فهو أن إيران وإسرائيل تمتلكان تاريخاً طويلاً من العمليات الاستخبارية المتبادلة، وأن الحرب بينهما أصبحت شديدة التعقيد، وأن كل طرف يحاول اختراق منظومة الآخر الأمنية والاستخبارية.
لكن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال ما يعلنه الخصوم، بل أيضاً من خلال النتائج التي تنتجها أفعالهم،، ومن هذه الزاوية، فإن استمرار الصراع الإيراني–الإسرائيلي والامريكي ، بصورته الحالية، يحقق نتيجة كارثية للعرب،، إضعاف الدولة الوطنية العربية، تفكيك الأولويات، استنزاف الجيوش، تشتيت القرار، وتعميق الخلافات العربية حول مصادر التهديد،، وهذه ربما هي أخطر نتيجة على الإطلاق.
فالعرب يُدفعون إلى النظر إلى بعضهم بعضاً بعين الشك، بينما تتحرك القوى الإقليمية والدولية وفق مصالحها الاستراتيجية. إيران بنت نفوذاً إقليمياً واسعاً عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء المسلحين، وإسرائيل وسعت نطاق عملياتها العسكرية، والقوى الكبرى تحافظ على وجودها العسكري ومصالحها، فيما يبقى السؤال: متى يصبح للعرب مشروعهم الأمني المستقل؟
لقد آن الأوان للخروج من مرحلة البيانات إلى مرحلة الأمن العربي المشترك الحقيقي،، ليس المطلوب إعلان حرب على إيران، ولا الدخول في مواجهة مع إسرائيل، ولا تشكيل محور عربي ضد أحد،، المطلوب أبسط وأعمق: أن يكون للعرب قرار مستقل في حماية أمنهم،،، نحن بحاجة إلى منظومة دفاع جوي وصاروخي عربية مترابطة، ونظام إنذار مبكر مشترك، وتبادل استخباري حقيقي، وتنسيق عسكري مؤسسي، وتدريبات مشتركة، وصناعة دفاعية عربية، وآلية واضحة للتعامل مع أي اعتداء على دولة عربية، أياً كان مصدره.
فإذا كان الصاروخ لا يميز بين قاعدة أمريكية ومدينة عربية، وإذا كانت المسيّرة لا تعرف الحدود السياسية، وإذا كانت الحرب تستطيع أن تنتقل من دولة إلى أخرى خلال دقائق، فلماذا ما زال القرار الأمني العربي يعمل بمنطق الدولة المنفردة؟ لقد أثبتت الأزمة الحالية أن الدول العربية قادرة على تنسيق مواقفها عندما تواجه خطراً مشتركاً؛ فقد صدر موقف موحد من دول الخليج والأردن في مواجهة الهجمات الإيرانية، وأكدت هذه الدول حقها في الدفاع عن أراضيها.
لكن المطلوب أن ينتقل هذا التضامن من بيان سياسي إلى منظومة استراتيجية، فالعرب لا تنقصهم الجيوش، ولا المال، ولا الموقع، ولا الخبرة، ولا الإمكانات، الذي ينقصهم هو تحويل القوة الموزعة إلى قوة مشتركة، وتحويل المصالح المشتركة إلى استراتيجية أمن قومي عربية،، إن أخطر ما يمكن أن يحدث أن تستمر المنطقة في إنتاج الحروب نفسها بأسماء مختلفة، وأن يظل العرب يتعاملون مع كل أزمة منفردة، بينما تتغير خرائط النفوذ من حولهم،،، إيران يجب أن تعرف أن أمن الدول العربية ليس ساحة مفتوحة لتصفية حساباتها مع واشنطن.
وإسرائيل يجب أن تدرك أن أمنها لا يمكن أن يقوم على استنزاف أمن المنطقة العربية، والولايات المتحدة وسائر القوى الدولية يجب أن تدرك أن الدول العربية ليست ساحات عسكرية، ولا جغرافيا مستباحة لتبادل الرسائل،، أما العرب، فعليهم أن يدركوا أن زمن الانتظار انتهى، فالأمن الذي لا يحميه صاحبه، سيأتي الآخرون ليقرروا شكله نيابة عنه، والمعادلة الجديدة يجب أن تكون واضحة: لا حرب عربية على أحد… لكن لا استباحة لأمن العرب من أحد.
فإذا كانت إيران وإسرائيل والقوى الدولية تستطيع أن تتحرك وفق حساباتها ومصالحها، فلماذا لا يستطيع العرب أن يفعلوا الشيء نفسه؟ المعركة الحقيقية ليست من ينتصر في الحرب الإيرانية–الإسرائيلية الأميركية … بل من يمتلك القدرة على منع الآخرين من جعل أرضه ساحةً لحروبهم، وهنا تبدأ، لا تنتهي، فكرة الأمن القومي العربي الجديد.
ما يجري أمامنا لم يعد حدثاً عابراً، إيران تضرب أهدافاً أمريكية داخل دول عربية، وإسرائيل تواصل عملياتها في غزة ولبنان وسوريا، وبينهما تتحول العواصم والمنشآت والمجالات الجوية العربية إلى ساحات للصراع. وخلال التصعيد الحالي تعرض الأردن ودول خليجية لهجمات إيرانية، فيما أكدت دول الخليج والأردن أن الهجمات استهدفت أراضيها ومرافق الطاقة والموانئ والمطارات ومنشآت مدنية.
وهنا يجب أن يكون الموقف العربي واضحاً لا يحتمل التأويل: إذا كانت إيران تريد مواجهة الولايات المتحدة، فليكن صراعها مع الولايات المتحدة، وليس مع الدول العربية، ووجود منشأة أو قاعدة أمريكية على أرض عربية لا يجعل الدولة العربية طرفاً في حرب لا تريدها، ولا يمنح طهران تفويضاً باستهداف سيادة تلك الدولة أو تعريض مواطنيها ومنشآتها للخطر.
وهذا تحديداً ما يجعل السلوك الإيراني أمام اختبار حقيقي، فالدول العربية التي تعرضت للهجمات ليست دولاً أعلنت الحرب على إيران، بل وجدت نفسها في مرمى النيران بسبب موقعها وتحالفاتها واستضافتها لقواعد أو قوات أمريكية، والأردن تحديداً أعلن مراراً أنه ليس طرفاً في الحرب، بينما واجه اعتراض صواريخ ومسيّرات دخلت مجاله الجوي.
لكن الصورة لا تكتمل من دون الطرف الآخر،،، إسرائيل أيضاً ليست خارج معادلة الفوضى،، فغزة ولبنان وسوريا تقدم يومياً صورة واضحة عن طبيعة الصراع الذي توسع من جبهة إلى أخرى، وعن سياسة عسكرية جعلت المنطقة كلها تعيش على حافة انفجار جديد، وهكذا يجد العربي نفسه أمام قوى إقليمية ودولية، تتواجهان في العلن، بينما تتحول ساحات عربية عديدة إلى مسارح لهذه المواجهة.
وهنا يبدأ السؤال الأكثر عمقاً: هل يكفي أن نقرأ الأحداث من زاوية العداء المعلن بين إيران وامريكيا وإسرائيل، أم يجب أن نقرأ نتائج هذا الصراع على الأرض العربية فالنتيجة واحدة: استنزاف عربي، تعطيل للتنمية، تهديد للممرات التجارية، اضطراب في أسواق الطاقة، استنزاف للقدرات العسكرية، وتكريس الاعتماد على القوى الخارجية، بل إن التصعيد الأخير دفع أسعار النفط إلى الارتفاع وأعاد المخاوف حول أمن مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وهنا لا بد من التمييز بين الحقيقة والفرضية،، هناك من يذهب إلى القول إن ما يجري هو نتيجة تنسيق استخباري إيراني–إسرائيلي ودول آخرى أو ترتيبات سرية بين الأطراف لإبقاء المنطقة مشتعلة، هذه فرضية سياسية تستحق الدراسة، لكن لا يجوز تقديمها باعتبارها حقيقة ثابتة من دون أدلة علنية قاطعة، أما الثابت فهو أن إيران وإسرائيل تمتلكان تاريخاً طويلاً من العمليات الاستخبارية المتبادلة، وأن الحرب بينهما أصبحت شديدة التعقيد، وأن كل طرف يحاول اختراق منظومة الآخر الأمنية والاستخبارية.
لكن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال ما يعلنه الخصوم، بل أيضاً من خلال النتائج التي تنتجها أفعالهم،، ومن هذه الزاوية، فإن استمرار الصراع الإيراني–الإسرائيلي والامريكي ، بصورته الحالية، يحقق نتيجة كارثية للعرب،، إضعاف الدولة الوطنية العربية، تفكيك الأولويات، استنزاف الجيوش، تشتيت القرار، وتعميق الخلافات العربية حول مصادر التهديد،، وهذه ربما هي أخطر نتيجة على الإطلاق.
فالعرب يُدفعون إلى النظر إلى بعضهم بعضاً بعين الشك، بينما تتحرك القوى الإقليمية والدولية وفق مصالحها الاستراتيجية. إيران بنت نفوذاً إقليمياً واسعاً عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء المسلحين، وإسرائيل وسعت نطاق عملياتها العسكرية، والقوى الكبرى تحافظ على وجودها العسكري ومصالحها، فيما يبقى السؤال: متى يصبح للعرب مشروعهم الأمني المستقل؟
لقد آن الأوان للخروج من مرحلة البيانات إلى مرحلة الأمن العربي المشترك الحقيقي،، ليس المطلوب إعلان حرب على إيران، ولا الدخول في مواجهة مع إسرائيل، ولا تشكيل محور عربي ضد أحد،، المطلوب أبسط وأعمق: أن يكون للعرب قرار مستقل في حماية أمنهم،،، نحن بحاجة إلى منظومة دفاع جوي وصاروخي عربية مترابطة، ونظام إنذار مبكر مشترك، وتبادل استخباري حقيقي، وتنسيق عسكري مؤسسي، وتدريبات مشتركة، وصناعة دفاعية عربية، وآلية واضحة للتعامل مع أي اعتداء على دولة عربية، أياً كان مصدره.
فإذا كان الصاروخ لا يميز بين قاعدة أمريكية ومدينة عربية، وإذا كانت المسيّرة لا تعرف الحدود السياسية، وإذا كانت الحرب تستطيع أن تنتقل من دولة إلى أخرى خلال دقائق، فلماذا ما زال القرار الأمني العربي يعمل بمنطق الدولة المنفردة؟ لقد أثبتت الأزمة الحالية أن الدول العربية قادرة على تنسيق مواقفها عندما تواجه خطراً مشتركاً؛ فقد صدر موقف موحد من دول الخليج والأردن في مواجهة الهجمات الإيرانية، وأكدت هذه الدول حقها في الدفاع عن أراضيها.
لكن المطلوب أن ينتقل هذا التضامن من بيان سياسي إلى منظومة استراتيجية، فالعرب لا تنقصهم الجيوش، ولا المال، ولا الموقع، ولا الخبرة، ولا الإمكانات، الذي ينقصهم هو تحويل القوة الموزعة إلى قوة مشتركة، وتحويل المصالح المشتركة إلى استراتيجية أمن قومي عربية،، إن أخطر ما يمكن أن يحدث أن تستمر المنطقة في إنتاج الحروب نفسها بأسماء مختلفة، وأن يظل العرب يتعاملون مع كل أزمة منفردة، بينما تتغير خرائط النفوذ من حولهم،،، إيران يجب أن تعرف أن أمن الدول العربية ليس ساحة مفتوحة لتصفية حساباتها مع واشنطن.
وإسرائيل يجب أن تدرك أن أمنها لا يمكن أن يقوم على استنزاف أمن المنطقة العربية، والولايات المتحدة وسائر القوى الدولية يجب أن تدرك أن الدول العربية ليست ساحات عسكرية، ولا جغرافيا مستباحة لتبادل الرسائل،، أما العرب، فعليهم أن يدركوا أن زمن الانتظار انتهى، فالأمن الذي لا يحميه صاحبه، سيأتي الآخرون ليقرروا شكله نيابة عنه، والمعادلة الجديدة يجب أن تكون واضحة: لا حرب عربية على أحد… لكن لا استباحة لأمن العرب من أحد.
فإذا كانت إيران وإسرائيل والقوى الدولية تستطيع أن تتحرك وفق حساباتها ومصالحها، فلماذا لا يستطيع العرب أن يفعلوا الشيء نفسه؟ المعركة الحقيقية ليست من ينتصر في الحرب الإيرانية–الإسرائيلية الأميركية … بل من يمتلك القدرة على منع الآخرين من جعل أرضه ساحةً لحروبهم، وهنا تبدأ، لا تنتهي، فكرة الأمن القومي العربي الجديد.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات