من أيام المدرسة وإحنا نتعلم في العلوم عن دورة حياة الفراشة ودودة القز والكائنات الحية: بيضة، يرقة، شرنقة، ثم كائن مكتمل النمو… وبعدها تكاثر، وتبدأ الدورة من جديد.
ومع الزمن اكتشفنا، كمواطنين، أن عندنا دورة حياة أخرى تستحق أن تُضاف إلى منهاج العلوم:
دورة حياة المسؤول الأردني.
تنويه علمي مهم جداً: هذا البحث لا يشمل أصحاب «الجينات الوظيفية المحسّنة»؛ اللي أبوه كان وزير، وجده رئيس حكومة، وعمه صاحب معالي، وابن خاله جاهز للمرحلة القادمة. هذول ما بمرّوا بدورة الحياة الطبيعية أصلاً؛ هذول، والله أعلم، بيجوا على الدنيا ومعهم CV وتوصية ومنصب تحت التجهيز! لذلك نستثنيهم احتراماً لقوانين الوراثة.
أما المسؤول من السلالة الطبيعية، فقصته مختلفة.
تبدأ حياته في مرحلة «مش مقصّر مع حدا». موظف مجتهد، خدوم، تلفونه مفتوح، يساعد هذا، ويمشي معاملة ذاك، ويوظف لفلان ابنه إن قدر، ويشارك الناس أفراحهم وأتراحهم… وإذا في طهور آخر الدنيا، بتلاقيه سابق أهل الولد!
والناس تقول:
«والله فلان ابن ناس… ما قصّر معنا بيوم.»
وهكذا، ومن حيث لا نشعر، يبدأ تكوين الرصيد الشعبي.
يكبر الكائن… ويكبر معه الطموح.
بلدية، نقابة، نيابة، حزب، أو أي محطة مناسبة. وهنا يدخل مرحلة القوقعة السياسية: يصبح فجأة صوت المواطن، وهمّ المواطن، ووجع المواطن. يخطب، ويصيح، ويضرب على الطاولة، وإذا استدعت المرحلة حزاماً أسود في النقاش البرلماني فلا مانع… المهم أن يشعر المواطن أن فارسه وصل.
ثم تحدث المعجزة الطبيعية.
يدخل المسؤول مرحلة «التشعُّبط».
يكتشف أن السلم الذي صعد عليه من تحت لم يعد مفيداً، وأن الطابق القادم موجود فوق. فيبدأ البحث عن كتف أكبر: مسؤول، حزب، صاحب قرار، دائرة نفوذ… وهنا تتغير البوصلة تدريجياً من:
«شو بدهم الناس؟»
إلى:
«شو بدهم الجماعة فوق؟»
وإذا نجحت عملية التشعّبط، يصل الكائن إلى أخطر مراحل تطوره:
مرحلة تغيير الجلد.
هنا يصبح صاحبنا وزيراً، أو رئيس هيئة، أو رئيس مجلس، أو صاحب منصب من الوزن الثقيل.
وفجأة… الهاتف الذي كان يرد على الجميع يدخل في غيبوبة.
المواطن الذي كان صاحبنا يذهب إلى طهور ابنه، صار يحتاج واسطة حتى يشوفه!
والمواطن المسكين يقول:
«بس احكيله فلان… هو بعرفني!»
آه بعرفك يا مواطن… بس من النسخة القديمة قبل تغيير الجلد.
وهنا تأتي المفارقة التي تستحق أن يفكر فيها كل أردني: قد يساعدك أحدهم اليوم بوظيفة لابنك، أو معاملة، أو إعفاء، أو خدمة تستحق الشكر؛ لكن لا تجعل الخدمة الشخصية شيكاً مفتوحاً على مستقبلك ومستقبل أولادك.
لأن السؤال الأهم ليس: ماذا فعل لي؟
بل: ماذا سيفعل عندما يصبح القرار بيده؟
فالخدمة التي استفدت منها مرة، لا تعوّض سياسة أو قراراً أو تشريعاً سيئاً يدفع ثمنه مجتمع كامل سنوات.
ثم نصل أخيراً إلى أجمل مراحل دورة الحياة:
مرحلة التفريخ.
بعد سنوات من المناصب والعلاقات والمجالس والهيئات، يصبح المسؤول نفسه بيئة حاضنة لمسؤولين جدد: أصحاب، مقربون، تلاميذ، وربما الجيل القادم… وهكذا تكتمل الدورة، وتبدأ دورة حياة جديدة.
والطبيعة، كما تعلمنا، تحافظ على النوع!
المشكلة إذن ليست في شخص، ولا في اسم، ولا في منصب بعينه. المشكلة في ثقافة تجعل المواطن أحياناً شريكاً في صناعة هذه الدورة: يرفع الشخص على كتفيه مقابل خدمة صغيرة، ثم يكتشف لاحقاً أنه لم يكن يبني قائداً عاماً… بل كان يستثمر في خدمة خاصة ويدفع ثمنها من المصلحة العامة.
لذلك يا مواطن، المرة الجاية لما تسمع:
«فلان ما قصّر معنا»…
اسأل سؤالاً إضافياً فقط:
«ممتاز… بس لما صار القرار بإيده، قصّر مع البلد ولا لأ؟»
لأن الوطن لا يُبنى بمن يعرفك عند الحاجة، بل بمن لا يبيع المصلحة العامة عندما يصل.
أما دورة حياة المسؤول…
فما زالت، والحمد لله، من الأنواع غير المهددة بالانقراض.
— م. سفيان الخالدي
هندسة الاقتصاد الوطني | Economic Systems Engineering (ESE)
#دورة_حياة_المسؤول #المواطن_مش_واسطة #تدوير_المناصب #تمكين_الشباب #الأردن #هندسة_الاقتصاد
الرجاء الانتظار ...
التعليقات