د. فاطمة العقاربة تكتب: عندما تصبح الشاشة جبهة .. الأردن في مواجهة حرب استهداف الوعي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8977
د. فاطمة العقاربة تكتب: عندما تصبح الشاشة جبهة ..  الأردن في مواجهة حرب استهداف الوعي
الدكتورة فاطمة العقاربة

الدكتورة فاطمة العقاربة

لم تعد الحروب الحديثة تبدأ دائمًا بصوت الرصاص، فقد تبدأ بمنشور، أو بصورة مفبركة، أو مقطع مجتزأ، أو حساب مجهول يزرع سؤالًا في ذهن المواطن ثم يتركه يتكاثر حتى يتحول إلى شك، والشك إلى غضب، والغضب إلى حالة عامة من التشكيك.

وهنا تكمن خطورة ما يتعرض له الأردن من حملات إعلامية ورقمية تتجاوز حدود النقد السياسي المشروع إلى محاولة استهداف صورة الدولة، والنيل من رموزها، وفي مقدمتها جلالة الملك عبدالله الثاني، والقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، ومؤسسات الدولة، وصولًا إلى محاولة ضرب الثقة التي تشكل أساس العلاقة بين الدولة والمواطن.

إنها ليست مجرد معركة على "السوشال ميديا"، كما قد يظن البعض، بل هي جزء من معركة أكبر عنوانها الوعي والسيادة والثقة الوطنية.

الأردن ليس هدفًا عابرًا
حين تتعرض الدولة لحملات متكررة من التشويه والتضليل، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يقف خلف هذه الحملات؟
السؤال الأهم هو: ماذا تريد هذه الحملات أن تحقق؟
والإجابة تبدأ من محاولة إرباك المواطن، وتشويه صورة دولته، وإضعاف ثقته بمؤسساته، وإحداث فجوة بين الشعب وقيادته وجيشه.
وهنا تحديدًا يجب أن يكون الأردني أكثر وعيًا من أن يتحول إلى ناقل مجاني لما يُراد له أن يصدقه.
فالحساب المجهول لا يصبح مصدرًا للحقيقة لأنه كتب بثقة، والفيديو لا يصبح حقيقة لأنه انتشر مليون مرة، والخبر لا يصبح صحيحًا لأن آلاف الحسابات أعادت نشره.
الملك عبدالله الثاني.. عنوان في معادلة الاستهداف
في بعض الحملات الرقمية والإعلامية لا يمكن قراءته دائمًا باعتباره نقدًا لشخص أو سياسة؛ فبعض الخطابات تتجاوز النقد إلى محاولة التشكيك في الدولة نفسها وفي خياراتها ومواقفها.
والأردن الذي اختار عبر تاريخه أن يحافظ على استقلال قراره، وأن يتعامل مع أزمات المنطقة وفق حساباته الوطنية والقومية، يدرك أن المواقف المستقلة لها أثمان، وأن الضغوط لا تأتي دائمًا عبر القنوات السياسية المباشرة.
لكن قوة القيادة لا تُقاس بحجم الهجوم عليها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على ثوابت الدولة وسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
ومن هنا فإن الدفاع عن صورة الأردن وقيادته لا يعني إلغاء النقد أو منع الاختلاف، بل يعني رفض تحويل النقد إلى أداة للتحريض والتضليل واستهداف الاستقرار.
أما الجيش العربي، فهو ليس مؤسسة عسكرية فحسب؛ إنه جزء من الذاكرة الوطنية الأردنية.
ولهذا فإن محاولة التشكيك بالجيش أو قدرته أو مواقفه تمس وجدان الأردنيين قبل أن تمس مؤسسة رسمية.
وقد شهد الأردن في السنوات الأخيرة تنامي أهمية الأمن السيبراني وحماية الفضاء الرقمي، وصولًا إلى تحذيرات رسمية من محاولات تضليل وانتحال أسماء جهات رسمية، في الوقت الذي أكدت فيه القوات المسلحة الأردنية استمرار إجراءات الحماية السيبرانية لمواقعها وأنظمتها.
لكن علينا أن ندرك أن حماية الجيش من الاستهداف الرقمي لا تقع على عاتق المؤسسة العسكرية وحدها.
المواطن شريك في المعركة.
فكل أردني يرفض نشر إشاعة، ويتحقق من مصدر معلومة، ويمتنع عن تداول مادة مجهولة المصدر، يمارس شكلًا من أشكال الدفاع عن الأمن الوطني.
أخطر سلاح هو المواطن الذي لا يعرف أنه مستهدف لان
في الحروب التقليدية، يعرف الجندي أنه في مواجهة عدو.
أما في الحرب الرقمية، فقد لا يعرف المواطن أصلًا أنه داخل ساحة المعركة. قد يرى منشورات عاطفيا فيعيد نشره وقد يشاهد فيديو قصير فيصدقه ،وقد يقرأ عنوانا مثيرا فيغضب،
وقد يتحول خلال دقائق إلى جزء من حملة لم يعرف من أطلقها ولماذا؟ وهنا تصبح المعركة الحقيقية هير معركة الوعي ،
فالمواطن الواعي لا يعني المواطن الذي يوافق على كل شيء، وإنما المواطن الذي يعرف كيف يختلف دون أن يهدم، وكيف ينتقد دون أن يحرض، وكيف يدافع عن وطنه دون أن يتحول إلى أداة للفوضى. لا تحاربوا التضليل بالتضليل لانه
ومن أخطر الأخطاء أن نواجه الحملات المسيئة بنفس أدواتها. فلا
نحتاج إلى شتائم مضادة، ولا إلى أخبار غير موثقة، ولا إلى صناعة روايات مبالغ فيها. نحن بحاجة الى الحقيقة ، الحقيقة السريعة والمعلومات الدقيقة والرد الاعلامي المهني ، لان
الإعلام القادر على الوصول إلى المواطن قبل أن تصل إليه الشائعة.
ففي عالم تتحرك فيه المعلومة بسرعة الضوء، لا يكفي أن تكون الحقيقة موجودة؛ يجب أن تكون حاضرة، واضحة، ومقنعة.

(الأردنيون الأوفياء.. الجبهة التي لا تُخترق) لقد
أثبت الأردنيون في محطات كثيرة أن اختلافاتهم لا تلغي اجتماعهم على الأردن.
وقد تكون هناك آراء سياسية مختلفة، وانتقادات مشروعة، ومطالب شعبية، وهذا جزء طبيعي من أي مجتمع حي.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين أن نختلف داخل الوطن، وبين أن نسمح لمن هم خارج الوطن بأن يحولوا اختلافنا إلى انقسام. وهنا تكمن شجاعة الأردنيين الخقيقية
ليست الشجاعة في أن ترد على كل إساءة، ولا في أن تدخل في كل معركة إلكترونية.
الشجاعة أن تعرف متى ترد، وكيف ترد، ومتى يكون الصمت أكثر وطنية من إعادة نشر الإشاعة.

على الحدود يقف الجندي الأردني مدافعًا عن الأرض.
وفي الفضاء الرقمي يقف المواطن أمام شاشة هاتفه.
كلاهما يحمل مسؤولية.
الجندي يحمي الحدود من الخطر المادي، والمواطن الواعي يحمي الوعي الوطني من الاختراق المعنوي. وهذا هو مفهوم الأمن الوطني الجديد ،
لم يعد الأمن مقتصرًا على حماية الحدود والمنشآت، بل أصبح يشمل حماية العقول من التضليل، والمجتمع من الشائعات، والدولة من حملات تقويض الثقة.
إن الرد الأردني الحقيقي على حملات الاستهداف لا يجب أن يكون صخبًا إلكترونيًا مؤقتًا، وإنما منظومة وطنية متكاملة تقوم على الإعلام المهني، والتوعية الرقمية، وسرعة الاستجابة للشائعات، وتعزيز الثقافة السيبرانية، وتمكين المواطن من أدوات التحقق.
فالمعركة ليست بين حساب أردني وحساب آخر. المعركة بين الحقيقة والكذب وبين الوعي والتحليل وبين الدولة والفوضى ،
وبين من يريد للأردن أن يبقى دولة مستقرة صاحبة قرار، ومن يريد تحويله إلى ساحة مفتوحة للصراعات والحملات النفسية والإلكترونية.
أيها الأردنيون لا تسمحوا لاحد ان يختطف وعيكم ولا تجعلوا هواتفكم منصات مجانية لمن يريد الإساءة للاردن ومليكه وجيشه ، تحققوا قبل أن تنشروا واسألوا عن المصدر واقراوا ما وراء العنوان وما بين السطور .
ولا تمنحوا الحسابات المجهولة سلطة أكبر من مؤسسات دولتكم.
كونوا أوفياء للأردن، لكن اجعلوا وفاءكم واعيًا.

ودافعوا عن وطنكم بالحقيقة لا بالمبالغة، وبالعقل لا بالانفعال، وبالوحدة لا بالتخوين.
فالأردن لم يعبر عواصف الإقليم بالصدفة، ولم يحافظ على استقراره لأن الأزمات كانت قليلة، بل لأنه امتلك دولة تعرف كيف تقف، وجيشًا يعرف كيف يحمي، وشعبًا يعرف كيف يكون صلبًا عندما يكون الوطن في مواجهة الخطر. وقد تتغير أدوات الحرب لكن الاردني الوفي الأصيل لا يتغير سابقا كانت الجبهة على الحدود واليوم أصبحت إحدى جبهاتها على الشاشة
وفي كلتا الجبهتين، سيبقى الأردن أقوى حين يكون أبناؤه على قدر المسؤولية.
الأردن ليس مجرد وطن ندافع عنه عندما يُهاجم، بل وعيٌ نحمله في كل كلمة نكتبها، وكل صورة ننشرها، وكل موقف نتخذه.
حمى الله الأردن، وحفظ قيادته، وصان جيشه العربي، وحفظ شعبه الوفي من كل فتنة واستهداف.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم