موسم العنب في جرش .. تراجع الإنتاج يؤرق المزارعين ويهدد الصناعات المنزلية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 24311
موسم العنب في جرش ..  تراجع الإنتاج يؤرق المزارعين ويهدد الصناعات المنزلية

سرايا - لم تعد مواسم العنب في جرش تمر كما اعتادها المزارعون، إذ انعكست التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة بصورة مباشرة على جودة الثمار وكميات الإنتاج، لتصل آثارها هذه المرة إلى واحدة من المهن والمنتجات الريفية المرتبطة بالعنب، وهي صناعة "خبيصة العنب" وما يتفرع عنها من منتجات كالدبس والخل والمربيات.


وبينما كانت أيام الموسم تحمل معها حركة نشطة للقطاف والتصنيع وتخزين مؤونة الشتاء، يجد المزارعون والمنتجون أنفسهم أمام موسم ضعيف، فرضته ثمار أقل جودة وإنتاج متراجع، في مشهد يهدد ليس محصول العنب فحسب، وإنما سلسلة من الصناعات المنزلية والتراثية التي تعتمد عليه وتوفر دخلا للأسر الزراعية.

وعلى موائد جرش، لا يبدأ موسم العنب من سوق الخضار ولا ينتهي عند بيع الصناديق للمستهلكين، فالثمرة تدخل في سلسلة طويلة من العمل تبدأ بالقطاف وتنتهي بمنتجات عدة من "الخبيصة" إلى الخل والمربيات والزبيب وغيرها من أصناف المونة التي تنتظرها الأسر كل عام. غير أن هذه السلسلة تواجه هذا الموسم ظروفا استثنائية، بعدما انعكست التقلبات المناخية وارتفاع درجات الحرارة على كمية المحصول ونوعية الثمار، لتصبح صناعة المنتجات التقليدية أمام تحد مزدوج: مادة خام أقل، وجودة لا تشبه ما اعتاد عليه المنتجون.

وفي قرى وبلدات المحافظة، حيث يرتبط العنب بدورة اقتصادية واجتماعية تتكرر كل عام، تبدو آثار الموسم واضحة في الحقول والمطابخ المنزلية ومشاريع التصنيع الغذائي، فالمزارع الذي ينتظر محصوله لتغطية جزء من كلفة الزراعة يجد نفسه أمام إنتاج متراجع، فيما تواجه السيدات اللواتي يعتمدن على تصنيع الخبيصة والمربيات والخل مشكلة أخرى تتمثل في صعوبة تأمين كميات كافية من العنب بالمواصفات المناسبة للتصنيع.

وبحسب المزارعة فضية رزق الله، لا تقف المشكلة عند حدود انخفاض كمية الثمار، إذ إن جودة العنب تعد عاملا أساسيا في تحديد نجاح الصناعات التي تعتمد عليه، فصناعة "الخبيصة" تحتاج إلى عصير يتمتع بخصائص معينة، وكذلك الحال بالنسبة للخل والمربيات والزبيب، ما يجعل الثمار ذات الجودة المتدنية أقل ملاءمة لبعض عمليات التصنيع، ويزيد في المقابل كلفة الإنتاج على الأسر التي تحاول الحفاظ على نشاطها الموسمي.

تذبذب في الإنتاج

وأوضحت رزق الله أن جرش من المحافظات المعروفة بزراعة العنب وتصنيع منتجاته، وتقدر مساحة مزارع العنب فيها بنحو 3 آلاف دونم، فيما شهدت المواسم الماضية تذبذبا كبيرا بين الوفرة والتراجع، بفعل الظروف الجوية وتقلبات الأسعار. وكانت مواسم الوفرة تمنح المزارعين فرصة للاستفادة من الفائض عبر تحويله إلى منتجات مصنعة بدلا من بيعه بأسعار منخفضة، وهو ما جعل الخبيصة والخل والمربيات والزبيب منافذ مهمة لتصريف الإنتاج وإضافة قيمة اقتصادية إليه. لكن انخفاض الإنتاج يغير المعادلة تماما، لأن المادة الخام تصبح أغلى وأقل توفرا، في وقت تحتاج فيه عملية التصنيع إلى كميات كبيرة من العنب حتى تكون مجدية.

وأشارت إلى أن "الخبيصة" تحديدا تمثل إحدى أبرز صور استثمار محصول العنب في جرش، فهي ليست منتجا غذائيا عابرا، وإنما صناعة منزلية ارتبطت بالموسم، وتشارك فيها سيدات يمتلكن خبرة متوارثة في إعدادها وتجهيزها وتخزينها، لافتة إلى أن وفرة العنب في بعض السنوات، كانت تتيح إنتاج كميات كبيرة وتسويقها داخل المحافظة وخارجها، فيما كان انخفاض الأسعار يشجع على شراء كميات إضافية من المزارعين وتحويلها إلى "خبيصة".

أما مزارع العنب نضال العياصرة، فيؤكد أن ارتفاع كلفة المادة الخام وتراجع جودتها في هذا الموسم يضعان المنتج أمام حسابات مختلفة، فشراء العنب ثم تحمل تكاليف العصر والطبخ والتعبئة والتغليف والنقل والتسويق قد يجعل هامش الربح محدودا، خصوصا إذا ارتفع سعر المنتج النهائي إلى مستوى يفوق قدرة المستهلك على الشراء.

وأضاف أن الأمر ذاته ينسحب على الخل، الذي يحتاج إلى كميات مناسبة من العنب ووقت طويل حتى يصل إلى المنتج النهائي. ومع انخفاض الكميات، قد يصبح إنتاج الخل أقل قدرة على المنافسة مقارنة بالمواسم التي كان فيها العنب متوفرًا بكثرة. كما أن المربيات تواجه تحديات مشابهة، في ظل ارتفاع تكلفة المادة الأولية والمواد المرافقة والتعبئة.

ومن وجهة نظر صاحبة إحدى المطابخ الإنتاجية أنعام البوريني، فإن أهمية هذه المنتجات تتضاعف بالنسبة للأسر التي تعمل في التصنيع الغذائي المنزلي، لأنها لا تمثل مجرد نشاط موسمي، بل مصدرا للدخل وفرصة لتشغيل أفراد الأسرة وتسويق منتجات محلية ذات طابع تراثي. وفي كثير من الحالات، تشكل هذه المشاريع مساحة اقتصادية للنساء اللواتي يحولن منتجات المزرعة إلى سلع قابلة للبيع طوال العام.

وترى البوريني أن تراجع محصول العنب لا يضرب المزارع وحده، وإنما يطال سلسلة من المستفيدين تبدأ بالعاملين في القطاف والنقل، وتمتد إلى الأسر التي تشتري العنب للتصنيع، ثم إلى العاملين في التعبئة والتغليف والتسويق، وصولًا إلى المحال والأسواق التي تبيع المنتجات النهائية، وتفرض الظروف الحالية سؤالا أساسيا حول مستقبل هذه الصناعات: كيف يمكن الحفاظ على منتجات ارتبطت بجرش إذا أصبح الحصول على المادة الخام أكثر صعوبة من عام إلى آخر؟.

وأكدت ضرورة عدم دعم التصنيع وحده، ومعالجة أصل المشكلة داخل الحقول. فالتغيرات المناخية تفرض على المزارعين تطوير طرق التعامل مع ارتفاع الحرارة ونقص المياه واضطراب مواعيد النضوج، إلى جانب البحث عن أصناف أكثر قدرة على التكيف مع الظروف الجديدة.

الظروف المناخية المستجدة
من جهته، يقول المهندس الزراعي ومدير مشاتل فيصل الزراعية، بهجت السوالمة، إن المزارعين يحتاجون إلى إرشاد متخصص يساعدهم في اختيار الأصناف المناسبة وإدارة الري والتسميد والتقليم بما يتناسب مع الظروف المناخية المستجدة. فالمزارع الذي يزرع وفق معطيات مناخية قديمة يواجه اليوم ظروفا مختلفة، ما يجعل تحديث الممارسات الزراعية ضرورة للحفاظ على الإنتاج والجودة.

وأوضح السوالمة أن تحسين عمليات ما بعد القطاف يمكن أن يقلل الفاقد ويرفع نسبة الثمار التي يمكن استخدامها في التصنيع، فالفرز والتخزين والنقل بطريقة صحيحة قد تكون عوامل حاسمة في الحفاظ على جودة العنب، خصوصا في ظل ارتفاع درجات الحرارة خلال موسم القطاف.

بدورها، قالت رئيس وحدة تمكين المرأة في بلدية المعراض، المهندسة صفاء الزعبي، إنه في الجانب الاقتصادي يمكن للتعاونيات والجمعيات والمطابخ الإنتاجية أن تشكل حلقة وصل أكثر فاعلية بين المزارعين والمصنعين، وبدلا من أن يبحث كل مشروع عن كميات صغيرة من العنب في السوق، يمكن تنظيم عمليات شراء جماعية من المزارعين، بما يضمن لهم سوقا مستقرة ويؤمن للمطابخ كميات ومواصفات مناسبة.

وشددت على ضرورة إنشاء مواسم أو أسواق متخصصة لمنتجات العنب الجرشية، بحيث يجري تسويق "الخبيصة" والخل والمربيات والزبيب ضمن هوية موحدة تعكس خصوصية المحافظة، وهذا من شأنه أن يرفع قيمة المنتج ويمنحه فرصة أكبر للوصول إلى المستهلكين خارج جرش، مضيفة أن السياحة تبرز كمسار إضافي يمكن أن يدعم هذه المنتجات. فجرش لا تمتلك المواقع الأثرية والطبيعة فقط، وإنما تمتلك أيضا مطبخا ريفيا يمكن أن يتحول إلى جزء من التجربة السياحية.

وأكدت أن ربط المنتجات الزراعية بالمواقع السياحية والمهرجانات والأسواق الشعبية يمكن أن يفتح أمام الأسر المنتجة منافذ جديدة للبيع والترويج، لا سيما أن المنتج الذي يحمل قصة المكان يستطيع أن ينافس إذا جرى تقديمه بصورة مناسبة، خصوصا عندما تكون خلفه حكاية زراعية وتراثية واضحة. و"الخبيصة"، على سبيل المثال، يمكن أن تتحول من منتج موسمي محدود الانتشار إلى منتج تراثي جرشي له هوية وتغليف وتسويق احترافي.

ووفق الزعبي، تبقى كل هذه الفرص مرتبطة بشرط أساسي: استمرار إنتاج العنب بجودة مناسبة. فإذا تراجع المحصول بصورة متكررة، ستصبح الصناعات القائمة عليه أكثر كلفة وأقل قدرة على الاستمرار، وقد تضطر بعض الأسر إلى تقليص الإنتاج أو التوقف عنه، مشيرة إلى أن ثمة حاجة للنظر إلى ملف العنب باعتباره قضية اقتصادية متكاملة، وليس قضية زراعية منفصلة. فالمزارع يحتاج إلى حماية إنتاجه، والأسرة المنتجة تحتاج إلى مادة خام بأسعار عادلة، والمستهلك يحتاج إلى منتج محلي بجودة وسعر مناسبين، بينما تحتاج المحافظة إلى الحفاظ على واحدة من الصناعات المرتبطة بتراثها الزراعي والغذائي.

الغد

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم