محمد عمر حامد يكتب: أين الملك عبدالله؟ ربما السؤال نفسه هو المشكلة

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 37436
محمد عمر حامد يكتب: أين الملك عبدالله؟ ربما السؤال نفسه هو المشكلة

أين الملك عبدالله؟ ربما السؤال نفسه هو المشكلة

أحياناً لا تكون المشكلة في الإجابة، بل في السؤال نفسه.

هذا بالضبط ما خطر في بالي وأنا أقرأ عنوان مقال مجلة Foreign Policy الأخير عن الأردن: «أين الملك عبدالله؟».

العنوان ذكي صحفياً. ثلاث كلمات فقط، لكنها تضع في ذهن القارئ، قبل أن يبدأ القراءة، افتراضاً كاملاً: أن الملك غائب، وأن علينا أن نبحث عنه.

ثم يبدأ الكاتب آرون ماغيد بعرض ما يستند إليه: فترات طويلة يقضيها الملك خارج البلاد، مقابلات صحفية أقل بكثير من سنوات حكمه الأولى، حضور إعلامي مباشر أقل، وفي المقابل ولي عهد يتحرك أكثر ويظهر أكثر.

لكن ماذا لو كانت المشكلة ليست في الأرقام، وإنما في المعيار الذي نستخدمه لقراءتها؟

ماذا لو كان السؤال، بعد أكثر من ربع قرن من حكم عبدالله الثاني، ليس أين الملك، بل أين أصبح الأردن؟

الأردن ليس دولة تمتلك فائضاً مالياً هائلاً تستطيع تحويله إلى نفوذ سياسي، ولا قوة عسكرية كبرى تستطيع فرض مصالحها على الآخرين، ولا اقتصاداً ضخماً يجعل القوى الكبرى مضطرة إلى طرق أبوابه. ومع ذلك، حافظ لعقود على حضور سياسي ودبلوماسي يتجاوز بوضوح حجمه الجغرافي وإمكاناته الاقتصادية.

حين تكون الأدوات محدودة تصبح العلاقات أداة قوة، وحين لا تستطيع دولة صغيرة أن تفرض حضورها على مراكز القرار، تصبح قدرتها على الوصول إلى تلك المراكز جزءاً من قوتها.

من هنا يمكن قراءة سفر الملك عبدالله الثاني بطريقة مختلفة. السؤال ليس كم يوماً كان الملك خارج الأردن، وإنما ماذا كان يفعل للأردن عندما كان خارجه؟

خذوا زيارته الأخيرة إلى الصين مثلاً. يمكن ببساطة احتساب أيام بكين وشنغهاي وشنتشن ضمن الأيام التي قضاها الملك خارج المملكة. لكن خلال تلك الزيارة كان يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء لي تشيانغ وكبار المسؤولين، فيما كانت المباحثات الأردنية الصينية تبحث فرص التعاون والاستثمار في قطاعات متعددة، وانتهت الزيارة باتفاقات ومذكرات تعاون وتعميق للشراكة بين البلدين.

كان الملك خارج الأردن جغرافياً، لكن موضوع الرحلة كان الأردن.

بل إن ملك دولة محدودة الموارد قد يحتاج إلى التحرك خارج حدودها أكثر، لا أقل، تحديداً لأن مواردها محدودة. فالنفوذ الذي تستطيع دول أخرى شراءه بالمال أو فرضه بالقوة، يحتاج الأردن إلى بناء جزء منه بالدبلوماسية والعلاقات والقدرة على الوصول. وعلى مدى أكثر من ربع قرن، أصبحت شبكة العلاقات التي بناها عبدالله الثاني مع مراكز القرار الدولية جزءاً من رصيد الدولة الأردنية نفسها.

يتوقف مقال Foreign Policy أيضاً عند الفارق بين عدد المقابلات الصحفية التي كان الملك يجريها في بدايات حكمه وعددها اليوم.

لكن عبدالله الثاني عام 2002 كان ملكاً لم يمض على توليه العرش سوى ثلاث سنوات. كان يقدم نفسه إلى العالم ويبني شخصيته السياسية وعلاقاته الدولية بعد مرحلة طويلة ارتبط فيها اسم الأردن عالمياً بصورة الملك الحسين.

اليوم نتحدث عن ملك أمضى سبعة وعشرين عاماً في الحكم، وراكم خلال هذه السنوات علاقات مباشرة مع رؤساء وملوك وحكومات ومؤسسات حول العالم.

فهل يحتاج الرجل نفسه، بعد كل هذه السنوات، إلى العدد ذاته من المقابلات حتى يكون حاضراً؟

ربما نخلط هنا بين الحضور الإعلامي والحضور السياسي.

قد يتصدر قائد الشاشات يومياً فيما يبقى تأثير دولته محدوداً، وقد يقل ظهور قائد آخر فيما تتحرك دولته في ملفات وعواصم كثيرة بعيداً عن الكاميرا.

وللمفارقة، يكفي أن ننظر إلى واشنطن لنرى إلى أين يمكن أن يأخذنا معيار كثرة الكلام. دونالد ترامب حاضر تقريباً في كل شيء، إلى درجة أنه أعلن بنفسه ذات يوم أنه تحدث مع شركة كوكاكولا بشأن نوع السكر المستخدم في المشروب الأميركي.

الرجل لديه البيت الأبيض والمؤتمرات الصحفية والإعلام الأميركي كله، ولديه فوق ذلك Truth Social حتى لا تضيع فرصة للتعليق. من الحرب والسلام والفائدة والتجارة، وصولاً إلى وصفة الكوكاكولا.

ربما المشكلة هنا أن الظهور حين يصبح حدثاً يومياً يفقد شيئاً من معنى الحدث.

ولهذا يبدو عدّ مقابلات الملك عبدالله باعتبارها مقياساً لحضوره السياسي معياراً غريباً بعض الشيء. القيادة ليست أن يتحول رأس الدولة إلى المعلق الرسمي على كل شيء.

وهناك زاوية أخرى لا تقل أهمية. بعد أكثر من ربع قرن من الحكم، لا ينبغي النظر فقط إلى عدد مرات ظهور الملك، وإنما إلى الدولة التي تشكلت خلال تلك السنوات.

هناك حكومة ووزارات ومؤسسات دستورية وقضائية وأمنية، ولكل منها مسؤولياتها واختصاصاتها. الدولة المؤسسية لا تقاس بعدد الملفات التي يحتاج رأس الدولة إلى التدخل فيها علناً، بل بقدرة مؤسساتها على أداء وظائفها ضمن منظومة مستقرة.

النجاح ليس أن تحتاج الدولة إلى الملك في كل تفصيل، وإنما أن يبقى الملك ممسكاً بالاتجاه فيما تعرف مؤسسات الدولة كيف تسير.

وحتى في الملفات الكبرى، يصعب اختزال الحضور في الخطابات والمقابلات. في غزة مثلاً، جمع الدور الأردني بين التحرك السياسي والدبلوماسي والعمل الإنساني والميداني، ووصل الأمر بالملك إلى المشاركة شخصياً في إحدى عمليات الإنزال الجوي للمساعدات فوق القطاع.

المغزى هنا بسيط: قلة الكلام لا تعني قلة الفعل. وفي السياسة، ما يجري بعيداً عن الميكروفونات قد يكون أحياناً أهم مما يقال أمامها.

ثم يأتي حضور ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.

يضع المقال ازدياد ظهوره إلى جانب انخفاض ظهور الملك، لكن لماذا نفترض أن الاثنين يسيران في اتجاهين متعاكسين؟

ماذا يفترض بملك يحكم منذ أكثر من ربع قرن أن يفعل بولي عهده؟ أن يبقيه بعيداً عن الملفات الحقيقية للدولة حتى يأتي اليوم الذي يتحمل فيه المسؤولية، أم أن يدخله تدريجياً إلى السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والشأن العسكري، ويمنحه فرصة بناء الخبرة والعلاقات وفهم الدولة من الداخل؟

في الحساب السياسي، حضور ولي العهد لا يُطرح من رصيد الملك، بل يُضاف إلى رصيد الدولة.

إعداد الجيل التالي ليس تراجعاً للجيل الحالي، وإنما جزء من مسؤولية القيادة نفسها. فالتاريخ يعرف قادة كانوا أقوياء جداً، لكن دولهم اكتشفت بعد رحيلهم أن كل القوة كانت مرتبطة بشخص واحد. أما الدولة الواثقة من نفسها فتبني الاستمرارية قبل أن تحتاج إليها.

لكن لنترك السفر والمقابلات ووسائل الإعلام جانباً.

هناك رقم أكبر بكثير: سبعة وعشرون عاماً.

خلال هذه السنوات عاش الأردن في قلب واحدة من أكثر البيئات الإقليمية اضطراباً في العالم. حروب وانهيارات أمنية وسياسية وموجات تطرف وإرهاب وتدفقات بشرية هائلة وانتفاضات وأزمات اقتصادية عالمية وجائحة، ثم صراعات وتوترات إقليمية وصلت آثارها إلى الأراضي والأجواء الأردنية.

ومع ذلك بقيت الدولة.

بقيت مؤسساتها تعمل، وبقي أمنها مستقراً، وبقي الأردن قادراً على إدارة حدوده وتحالفاته وعلاقاته والاحتفاظ بحضور سياسي يفوق بكثير موارده وحجمه.

وهذا ربما الرقم الأهم الذي لم يرد في مقال Foreign Policy: أكثر من ربع قرن من العواصف، والأردن بقي واقفاً.

الصدفة قد تنقذ دولة من أزمة، والحظ قد يساعدها في عبور أزمة ثانية. لكن عندما يصبح عبور الأزمات نمطاً يتكرر لعقود، يصعب تفسير ذلك باعتباره سلسلة طويلة من المصادفات.

هناك إدارة تعرف حجم الدولة وحدود قوتها، لكنها تعرف أيضاً كيف تضاعف أثر الأدوات التي تمتلكها. وهذه ربما واحدة من أهم سمات تجربة عبدالله الثاني. لم يتصرف الأردن كدولة عظمى، وإنما تعلم كيف يجعل دولة محدودة الموارد تمتلك مساحة للحركة أكبر من مواردها.

وهنا نعود إلى عنوان Foreign Policy.

ليس ضرورياً أن نغير رقماً واحداً في المقال حتى نصل إلى قراءة مختلفة تماماً. يكفي أن نغير وحدة القياس.

المقال يعد أيام السفر، لكن ماذا لو عددنا الأزمات التي عبرها الأردن؟

يحصي المقابلات الصحفية، لكن ماذا لو نظرنا إلى أبواب مراكز القرار التي يستطيع ملك الأردن دخولها عندما تحتاج المملكة إلى موقف أو دعم أو مساحة للحركة؟

ويرصد ازدياد حضور ولي العهد، لكن ماذا لو نظرنا إليه باعتباره دولة تعد جيلاً جديداً للمسؤولية قبل أن يأتي يوم المسؤولية؟

عندها تتغير الصورة.

فالقيادة لا تقاس بعدد الساعات التي يقضيها الحاكم داخل الحدود الجغرافية لدولته، ولا بعدد المرات التي يظهر فيها أمام الكاميرا. القيادة تقاس بما يحدث للدولة تحت قيادته.

وهنا يمتلك عبدالله الثاني إجابة لا تحتاج إلى مقابلة صحفية لشرحها: الأردن نفسه.

دولة محدودة الموارد، في موقع بالغ الحساسية، مرت بها وحولها عواصف كان يمكن لكل واحدة منها أن تغير مسارها، لكنها بقيت مستقرة وحاضرة، واستطاعت الاحتفاظ بدور سياسي أكبر من حجمها وإمكاناتها.

لذلك، بعد أن انتهيت من قراءة المقال، بقي عنوانه في ذهني: «أين الملك عبدالله؟».

لكنني لم أعد مقتنعاً بأن علينا البحث عن الإجابة في جدول سفر الملك.

ربما علينا البحث عنها في خريطة علاقات الأردن، وفي الدولة التي عبرت أكثر من ربع قرن من العواصف، وفي المؤسسات التي استمرت، وفي المكان الذي ما يزال الأردن يحتله على طاولات أكبر بكثير من حجمه.

وعندها يصبح السؤال الأكثر دقة ليس: أين الملك عبدالله؟

بل: أين استطاع عبدالله الثاني أن يضع الأردن؟

وهنا، ربما، توجد الإجابة كلها.

 

 

 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم