ماهر البطوش يكتب: خريج القانون لماذا نختصر مستقبله في المحاماة؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 50407
ماهر البطوش يكتب: خريج القانون لماذا نختصر مستقبله في المحاماة؟
ماهر البطوش

ماهر البطوش

أثار الجدل الأخير حول أعداد الطلبة المتجهين إلى دراسة القانون، وما تبع ذلك من تحذيرات بشأن قدرة مهنة المحاماة على استيعاب الأعداد المتوقعة من خريجي القانون، نقاشاً يتجاوز مسألة الأرقام، ويفتح سؤالاً أكثر أهمية: هل كل من يدرس القانون يجب أن يصبح محامياً؟ وهل المشكلة في أعداد دارسي القانون، أم في الطريقة التي ننظر بها إلى هذا التخصص ونحدد من خلالها مستقبل خريجيه؟

في تقديري فإن ربط دراسة القانون بمهنة المحاماة وحدها يحتاج إلى إعادة نظر في المفهوم قبل النظر في الأعداد. فالمحاماة مهنة قانونية عريقة ومستقلة، لها رسالتها وشروطها وأصول ممارستها، ومن الطبيعي أن تعمل نقابة المحامين على حماية مستواها وتنظيم التدريب والتأهيل للالتحاق بها. إلا أن دراسة القانون أوسع من ممارسة المحاماة؛ فبكالوريوس الحقوق يمنح صاحبه تأهيلاً علمياً في العلوم القانونية، ولا يجعله محامي بمجرد التخرج، وإنما يضع بين يديه قاعدة معرفية يمكن أن ينطلق منها إلى مسارات قانونية ومهنية متعددة، لكل منها شروطه ومتطلباته.

وهذا هو الجانب الذي يحتاج إلى مزيد من الوعي لدى الطالب والأسرة والمجتمع. فخريج الحقوق يمكن أن يجد مستقبله في القضاء والنيابة العامة وفق الشروط المقررة، أو في العمل القانوني داخل مؤسسات الدولة والشركات والبنوك وشركات التأمين، أو في التشريع والسياسات، والتحكيم والوساطة، والبحث والتدريس، وغيرها من المجالات التي تعتمد على المعرفة القانونية. كما أن التطور التكنولوجي والاقتصادي أوجد مجالات جديدة، مثل الجرائم الإلكترونية والبيانات والملكية الفكرية، أصبحت تحتاج إلى متخصص يفهم القانون وقادراً على التعامل مع مستجدات العصر.

ويؤكد الواقع العملي في الأردن أن حضور القانون لم يعد محصور في ساحات المحاكم ومكاتب المحاماة، بل أصبح جزء أساسي من عمل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ومختلف الأنشطة الاقتصادية. فهناك حاجة إلى مختصين يتولون قراءة التشريعات والتعليمات وتفسيرها، وإعداد الرأي والدراسات القانونية، ومراجعة الإجراءات والقرارات، وضمان سلامة المعاملات والالتزام بالقواعد النافذة. وهذا الواقع يكشف أن خريج الحقوق يمتلك تأهيل يمكن أن يخدم به في مواقع مهنية متعددة، وأن أمامه مجالات واسعة يستطيع من خلالها توظيف معرفته القانونية وبناء مساره المهني وفقاً لقدراته واحتياجات سوق العمل.

ومن هنا فإن قضية تزايد أعداد المقبلين على دراسة القانون تحتاج إلى معالجة تتجاوز فكرة الأعداد وحدها، لتصل إلى جوهر المسألة: ماذا نريد أن يكون عليه خريج القانون عند دخوله الحياة العملية؟ فمهنة المحاماة لها تنظيمها وشروطها ومسارها المهني الخاص، بينما يمتد التعليم القانوني إلى إعداد كفاءات يمكن أن تخدم في مجالات أوسع. ولذلك فإن المطلوب هو إعادة بناء العلاقة بين الجامعة وسوق العمل، بحيث لا يقتصر دور كلية الحقوق على تقديم المعرفة النظرية وبعض التطبيقات المحدودة، وإنما يمتد إلى إعداد خريج يمتلك أدوات العمل ويفهم احتياجات الواقع، وتكون أمامه فرص مهنية واضحة تتناسب مع ما تعلمه وما يستطيع أن يقدمه.

وهنا تبرز إحدى أهم القضايا التي ينبغي أن نتوقف عندها في التعليم القانوني؛ فالشهادة الجامعية تمنح الطالب الأساس العلمي، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة قانوني قادر على التعامل مع الواقع المهني. فالقيمة الحقيقية لما يتعلمه الطالب تظهر في قدرته على فهم النص القانوني وتحليله وربطه بالوقائع والبحث عن الحلول، وصياغة الأفكار القانونية بصورة واضحة ودقيقة، إلى جانب امتلاك أدوات التعامل مع المستجدات التشريعية والتقنية التي أصبحت جزءاً من البيئة القانونية الحديثة. ولذلك فإن التحدي لا يكمن في تخريج أعداد أكبر، وإنما في تخريج كفاءات قانونية تستطيع أن توظف ما تعلمته بصورة عملية وتواصل تطوير نفسها بعد التخرج.

ومن هذا المنطلق لا ينبغي أن يقتصر دور كليات الحقوق على المقررات وبعض التطبيقات المحدودة، بل يجب أن يقترب من الواقع المهني عبر التدريب والتطبيق العملي، بما يساعد الطالب على فهم طبيعة العمل واكتشاف قدراته قبل التخرج. كما تتطلب المرحلة المقبلة شراكة حقيقية بين الجامعات ونقابة المحامين ووزارة العدل ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص، تستند إلى بيانات دقيقة عن أعداد الخريجين واحتياجات سوق العمل، بما يجعل تطوير التعليم القانوني أكثر ارتباطاً بالواقع ومتطلباته.

أما الطالب، فعليه أن يدرك أن مستقبله لا يبدأ بعد استلام الشهادة، بل من يومه الأول في الجامعة. وعليه أن يوسع معرفته، ويكتسب الخبرة، ويكتشف المجال الذي يستطيع أن يبدع فيه، وأن يعلم أن الشهادة تفتح الباب، لكن الكفاءة هي التي تصنع الطريق.

وفي النهاية فإن خريج القانون أمامه مساحة أوسع من أن يجعل المحاماة خياره الوحيد. فالمؤسسات اليوم تحتاج إلى القانوني في مواقع متعددة، والفرص لا تكون دائماً في المكان الذي اعتدنا أن نبحث فيه عنها. لذلك على خريج الحقوق أن يوسّع نظرته، ويبحث عن المجال الذي تتوافق فيه معرفته مع قدراته وحاجة سوق العمل، وأن يدرك أن نجاحه لا يرتبط بمسمى واحد، وإنما بقدرته على تحويل ما تعلمه إلى كفاءة تفتح له أبواباً مهنية متعددة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم