هل نحن أمام حربٍ إسرائيليٍة – تركيّةٍ أمْ مسرحيةً مُحكمة الإخراج؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 61805
هل نحن أمام حربٍ إسرائيليٍة – تركيّةٍ أمْ مسرحيةً مُحكمة الإخراج؟

سرايا - في محاولاتها الحثيثة لإنتاج عدوٍّ جديدٍ تُهدّد بالاعتداء عليه عسكريًا، تحولّت تركيّا من المنظور الإسرائيليّ إلى موقع الخصم الذي يجري تقديمه للرأي العام بوصفه تهديدًا إستراتيجيًا متصاعدًا، بعد أنْ كانت أنقرة مجرد قوّةً إقليميّةً تختلف معها "اسرائيل" حول النفوذ والمصالح.


وفي هذا السياق، اتهم نتنياهو النظام التركيّ بالتأثر بجماعة الإخوان المسلمين، وربط سياسات أردوغان باستضافة (حماس) وتمويلها وتهديد "إسرائيل". ووصل وزير الحرب "إسرائيل" كاتس إلى تشبيه الرئيس التركيّ بصدّام حسين، فيما اعتبر وزير الشتات عميحاي شيكلي أنّ التهديد التركيّ أكبر من الإيرانيّ. وهذه التصريحات وأخرى تكشف انتقال النقاش من دراسة المصالح التركيّة وسلوك أنقرة إلى إنتاج صورةٍ سياسيّةٍ لخصمٍ يجري تضخيمه أمام الجمهور، وهذا السيناريو يخدم نتنياهو في انتخابات أكتوبر القادمة، لأنّ الصهاينة “يعشقون” الأعداء الحقيقيين والوهميين وينتشون بضربهم عسكريًا.


ومنذ عدوان إيران، أخذ هذا التصوّر يتسّع داخل الأوساط السياسيّة والأمنيّة الإسرائيليّة، حتى ظهرت مقولة (تركيّا هي إيران الجديدة)، في إشارةٍ إلى انتقال أنقرة من خانة المنافس إلى خانة الخطر الذي يستوجب المواجهة. ورغم التحفظ من الأدبيات الاسرائيليّة في هذا التوصيف إلّا أنّ الاصرار على تقديم أنقره بهذه الصورة له تبريراته اسرائيليًا.


وبحسب الخبراء في دولة الاحتلال، فإنّ هذا التحول يحمل في داخله قدرًا حقيقيًا من القلق الإسرائيليّ ذلك أنّ تركيّا وسّعت حضورها في سوريّة بعد سقوط النظام السابق، وتسعى إلى تثبيت نفوذها في دولةٍ باتت تمثل نقطة تقاطعٍ لمصالح إقليميّةٍ متضاربةٍ. كما أنّ علاقات أنقرة مع قوى الإسلام السياسيّ، وتطور قدراتها العسكريّة، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة، وطموحاتها البحرية في المتوسط وشرق أفريقيا، كلها عوامل تثير حساباتٍ أمنيّةٍ في "إسرائيل".


ومن المهم الإشارة إلى أنّ "إسرائيل" الخارجة من سلسلة حروبٍ ومواجهاتٍ تجد نفسها أمام أسئلةٍ حول نتائج عملياتها العسكريّة في إيران وغزة ولبنان واليمن. وفي مثل هذا المناخ، يصبح البحث عن خصمٍ جديدٍ وسيلةً سياسيّةً لإعادة ترتيب المشهد الداخليّ، وإظهار القيادة في موقع المُبادر والقادر على اكتشاف الأخطار قبل وصولها إلى الحدود.


عُلاوةً على ما ذُكِر، تزداد حساسية هذا المسار مع اقتراب الانتخابات الإسرائيليّة، فنتنياهو يرى أنّ تركيّا مادةً سياسيّةً ملائمةً كونها دولةً قويّةً، قريبة جغرافيًا، ذات خطابٍ حادٍّ تجاه "إسرائيل"، على الرغم من أنّ التجارة بين أنقرة والكيان الاحتلال لم تتوقف حتى في أوج حرب الإبادة على قطاع غزة.


لكن التعامل مع تركيّا بالطريقة نفسها التي تعاملت بها "إسرائيل" مع إيران ينطوي على اختلافٍ جوهريٍّ في طبيعة الخصم. أنقرة تتحرك وفق شبكةٍ واسعةٍ من المصالح، وتوازن بين علاقتها بواشنطن وعضويتها في حلف شمال الأطلسيّ وعلاقاتها مع روسيا وإيران ومصر. كما أنّها تسعى إلى تعزيز موقعها كقوّةٍ إقليميّةٍ، وليس إلى خوض حربٍ شاملةٍ مع "إسرائيل. وحتى في ذروة التوتر، بقيت قنوات أمنيّة بين الطرفين قائمةً لتجنب الاحتكاك غير المحسوب، خصوصًا في الساحة السوريّة.


ومنذ قصف قاعدة (أبو الظهور) السوريّة من قبل سلاح الجوّ الإسرائيليّ بدأ الصراخ يتصاعد بين أنقرة وتل أبيب، تصريحاتٌ ناريّةٌ، وتهديدات بما يُمكِن تسميته كسر العظام. وعلى الرغم من ذلك أكّدت المحافل الإسرائيليّة الرسميّة أنّ قصف القاعدة كان بمثابة رسالةٍ لتركيّا، مفادها أنّ تل أبيب لن تسمح لها بالتأثير على جريتها في الأجواء، بيد أنّ الردّ التركيّ، كما نقل المُحلِّل العسكريّ في صحيفة (إسرائيل اليوم) العبرية ، يوآف ليمور، كان باهتًا. بكلماتٍ أخرى التصعيد المصطنع كان عمليًا جعجعة دون طحين.


كما أنّ خلف هذا الضجيج الإعلاميّ، يبقى السؤال الأهّم: هل نحن أمام حربٍ حقيقيّةٍ، أمْ أمام مسرحية محكمة الإخراج بأبطالها الثلاثة: تركيّا و"إسرائيل" والولايات المتحدّة؟ الإجابة الواضحة وفق المثل القائل: “لا يقطع المرء الغصن الذي يجلس عليه”.


الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان مضغوط، والشارع التركي يغلي بسبب غزة، والمعارضة تتهمه بالصمت، ولامتصاص الغضب رفع أردوغان سقف الخطاب إلى السماء. لكن في المقابل، ماذا على الأرض؟ التجارة مستمرة: 7 مليارات دولار حجم التبادل التجاريّ بين دولة الاحتلال وأنقرة لم يتوقف يومًا.


كما أنّ حلف شمال الأطلسيّ (الناتو) ما زال قائمًا، تركيّا لا تزال العضو الثاني في الحلف، وتستضيف قاعدة (إنجرليك) الأمريكيّة. أمّا فيما يتعلّق بالغاز والاستخبارات، فإنّ التنسيق الأمنيّ والاقتصاديّ مع "إسرائيل" لم ينقطع.


من ناحيته قال المستشرق الإسرائيليّ، د. حاي إيتان كوهين، إنّ “تركيّا لم تعد تكتفي بالتصريحات الحادّة ضدّ "إسرائيل". فالاتهامات بـ (الإبادة الجماعيّة)، والمطالبات بفرض عقوباتٍ، وتصوير "إسرائيل" كتهديدٍ إقليميٍّ، لم تعد جزءًا من الخطاب السياسيّ التحريضيّ، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في الخطاب الدبلوماسيّ الرسميّ”.


واختتم في مقالٍ نشره بموقع (زمان إسرائيل) العبري: “في إطار الخطاب التركيّ، لم تعد "إسرائيل" طرفًا في صراعٍ محددٍ، بل أصبحت جزءًا من منظومةٍ كاملةٍ يُنظَر إليها على أنّها تهديد. والنتيجة هي اتسّاع نطاق احتمالية الاحتكاك، إذ أنّ أيّ تطورٍ في ساحة ما يُترجم فورًا لتهديدٍ في ساحةٍ أخرى”.

إقرأ ايضاَ
saraya news
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم