مفهوم الحياة الخاصة أمر يتم تقديره لكل حادثة على حدا حسب الوقائع والظروف المحيطة التي وقع فيها الفعل المشكو منه، وخاصة طبيعة المكان ومحتوى الخصوصية الذي يدعي فيها الضحية انه تعرض للانتهاك، وبما ان قانون العقوبات لم يبيّن ما هي الحياة الخاصة، ولم يعرّفها، فان هذه الوقائع والظروف يقدرها قاضي الدعوى ويرى بحسب تقديره ان المجني عليه في ذلك المحتوى كان ضمن حياته الخاصة او كان خارجها.
هذه المقدمة قد تكون بسيطة في تطبيقها إذا كان الضحية في مكان خاص ولم يوافق على اختراق المعتدي على خصوصيته، وهذا امر سهل بيانُه كالتي تصور بهاتفها من اعلى منزلها حفلة خطوبة لابنة الجيران أقامها والدها في حديقة منزله المجاور، اذ لا يختلف اثنان على هذا الانتهاك لان الفعل استطال الى مكان خاص وفي مناسبة خاصة ولم تكن الفاعلة مدعوة اليها ولم يوافق الضحية على تصوير المناسبة.
وإذا ذهبنا الى ابعد من المنزل لنقيم حفلة الزفاف داخل صالة افراح خاصة بالنساء، فان الصالة تأخذ حكم المنزل لما تشكله من خصوصية يمنع على غير النساء من دخولها حتى العاملين من الذكور في نفس الصالة لا يسمح لهم بالدخول، وفي عاداتنا وتقاليدنا ايضاً يتم تنبيه النساء عند دخول والد العروس ووالد العريس واقاربهم من الذكور عند دخولهم صالة النساء للسلام على العروسين، وفي جميع الأحوال جرت العادة في هذه الأحوال ان يتم منع التصوير الا لمصورة خاصة يتفق اهل العرس على السماح لها بالتصوير مقابل الاجرة.
وإذا سُمح لعامة المدعوين بالتصوير فيكون الفعل مباح لتنازل صاحب الحق في الخصوصية عن حقه، اما إذا أُعلن قبل او اثناء الزفاف عن ممنوعية التصوير داخل صالة النساء وقامت احدى المدعوات بتصوير غيرها كالعروس وبعض المدعوات بهاتفها دون الاذن، يعتبر تصويرها انتهاك للحياة الخاصة للغير ويلاحق فعلها امام القضاء لأن لباس النساء في الصالة خاص بالحفل وهو من الأشياء التي نحافظ في عدم اظهارها خارج صالة الافراح ولا نقبل ان يتم نشر صورة او فيديو لفتاة بملابس الحفل على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي حفلات الزفاف التي يحتفل بها الرجال في الساحات العامة فالأمر مختلف حيث جرت العادة على حضور الحفل من العامة فيدخل من يشاء ولا يرفض اهل العريس احداً من الضيوف، والجميع يصور بهاتفه مجريات العرس من دبكات ورقص، وعادةً يتم تصوير الحفل من مصور خاص.
وامام جميع الكاميرات لا يعترض أحد من الرجال على التصوير فالمكان عام وليس فيه خصوصية فنحن في حيز مكاني ليس فيه خصوصية رضينا ابتداءً الدخول اليه وأبحنا للغير التواجد فيه والاطلاع عليه، ولا يوجد أي اسرار نرغب بالحفاظ عليها ولم يعترض أحد على التصوير، فتكون موافقتنا ضمنية على ذلك، والنتيجة اننا تنازلنا عن بعض حقنا في الخصوصية عندما لم نعترض على التصوير بالهاتف او بكاميرا المصور.
وإذا ما انتشرت الصور او الفيديوهات واستاء البعض من صورته ومشاهِده وابدى رغبته بالشكوى على ناشر الفيديو فان النتيجة محسومة بانك رضيت بالتواجد في الحفل ورضيت ضمنياً بالتصوير وما فعلته في الفيديو فقد فعلته امام العامة وهو ليس بسر تخشى افتضاحه والتصوير لم يطال حياتك الخاصة التي تحرص على ابقائها بعيداً عن مسترقي السمع او البصر.
واستياء البعض على النشر سببه رد فعل المجتمع على مواقع التواصل على المشاهد في الفيديو المنتشر الذي لم تعترض ان تكون من ضمن مشاهده، والاساءة بالتعليقات على مقطع الفيديو غير مقبولة ولك الحق في مقاضاتهم، لكنني اجزم ان ليس الحق في مقاضاة مصور الفيديو جزائياً، واما ما تعرضت له من ضرر نفسي ومعنوي جراء نشر الفيديو فهذا امر مختلف عن الملاحقة الجزائية ومكانه ليس المركز الأمني بل في أروقة المحاكم بالمطالبة عن التعويض عن ذلك الضرر امام قاضي الحقوق.
الحمد الله على نور الإسلام الذي انار لنا طريق الاخلاق في الحياء وغض البصر وحفظ اللسان، وتحية لقضائنا العادل الذي حفظ الحقوق وأرسى مبادئ العدل، واُذكر ان على المرء ان يعلم أن لكل مقام مقال، فاحفظ مقامك واعرف حدودك.
العميد المتقاعد هاني حسين العويدات
دكتوراة القانون الجنائي
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات