الخريشا يكتب: الحكومة والنواب .. شدٌّ عكسي والمواطن يدفع الثمن

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11737
 الخريشا يكتب: الحكومة والنواب ..  شدٌّ عكسي والمواطن يدفع الثمن
الشيخ فواز أرفيفان خالد الخريشا

الشيخ فواز أرفيفان خالد الخريشا

حين تدخل العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب دائرة الشد والجذب، ويتحول الاختلاف الطبيعي إلى شدٍّ عكسي، فإن المسألة لا تعود مجرد تباين في وجهات النظر، بل تصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة مؤسسات الدولة على إدارة اختلافها بما يخدم الأردن والمواطن.
فالاختلاف بين السلطتين ضرورة دستورية حين يكون هدفه الرقابة والتصويب وكشف الخلل، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى سجال دائم، وتصبح المواقف غايةً بحد ذاتها، فيما تبقى الملفات التي تمس حياة الناس معلقة بانتظار الحل.
الحكومة مسؤولة عن التنفيذ وإدارة شؤون الدولة، ومجلس النواب مسؤول عن التشريع والرقابة والمساءلة. ولكل منهما دوره الذي لا يجوز أن يطغى عليه دور الآخر؛ فالحكومة تحتاج إلى رقابة جادة، والمجلس يحتاج إلى حكومة تستمع وتجيب وتوضح وتنفذ.
لكن الأخطر أن تنتقل حالة التوتر إلى داخل مجلس النواب نفسه، فتتحول القبة التي يفترض أن تكون منبرًا للتشريع والرقابة إلى ساحة صدام يتشابك فيها النواب ويمد بعضهم يده على بعض. وهنا لا يعود المشهد مجرد اختلاف في الرأي، بل صورة تضعف الثقة بالمؤسسة وتسيء إلى مكانة العمل النيابي.
اختلاف الرأي حق، والنقد مشروع، والمواجهة بالحجة مطلوبة، أما التدافع والاشتباك فلا يصنعان تشريعًا ولا يحلان مشكلة. فالقبة البرلمانية يجب أن تبقى مساحة للكلمة والحجة والنقاش، وأن يكون الخلاف فيها وسيلة للوصول إلى الأفضل، لا سببًا للخروج عن قواعد الحوار.
وفي المقابل، فإن الحكومة ليست فوق المساءلة، ومجلس النواب ليس خصمًا لها. المطلوب علاقة تقوم على رقابة جادة من جهة، واستجابة مسؤولة من جهة أخرى؛ بحيث يتحول السؤال إلى إجابة، والإجابة إلى معالجة، والقرار إلى إنجاز.
أما المواطن، فهو الذي يقف خارج هذه التجاذبات ويتحمل نتائجها. لا تعنيه المناكفات ولا الأصوات المرتفعة ولا من سجل نقطة سياسية على الآخر. ما يعنيه أن يجد عملًا، وتعليمًا أفضل، وخدمات كفؤة، وأسعارًا يمكن تحملها، وإدارة أكثر سهولة، وعدالة يشعر بها في حياته اليومية.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: حين تنشغل الحكومة بمواجهة النواب، وينشغل النواب بمواجهة الحكومة، وينشغل بعض النواب بمواجهة بعضهم، تصبح قضايا المواطن هي الحلقة الأضعف.
الأردن بحاجة إلى مؤسسات تتنافس في الإنجاز، لا إلى مؤسسات تستنزف طاقتها في المناكفات. فالحكومة القوية هي التي تقبل الرقابة وتتعامل معها باعتبارها جزءًا من العمل العام، ومجلس النواب القوي هو الذي يمارس دوره الدستوري بأدواته وحجته ومتابعته الجادة.
ولا يعني التعاون أن يتخلى المجلس عن رقابته، ولا يعني التفاهم أن تتراجع الحكومة عن مسؤولياتها. المطلوب أن يختلف الطرفان في الوسائل، وأن يلتقيا على الغاية: خدمة الأردن وحماية مصالح المواطنين.
فالمواطن يريد نتائج لا سجالات؛ يريد أن يرى القضية تُطرح، ثم تُتابع، ثم تصل إلى حل. يريد تشريعًا يغير الواقع، ورقابة تمنع الخلل، وقرارات لا تبقى حبيسة الأوراق.
والمعيار الحقيقي ليس من خرج منتصرًا من الجلسة، ولا من سجل نقطة على الآخر، بل السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا: ماذا خرج المواطن من كل هذا؟
إذا بقيت المشكلات كما هي، وبقيت الملفات تنتظر، فلا معنى لانتصار طرف على طرف؛ لأن الخاسر في النهاية هو الوطن والمواطن.
آن الأوان أن تتحول المنافسة من تسجيل النقاط إلى صناعة النتائج، وأن يصبح الاختلاف وسيلة للتصحيح، والرقابة طريقًا للإصلاح، والحوار مدخلًا للقرار.
نريد مجلس نواب يمارس دوره الدستوري بمسؤولية، وحكومة تدرك أن الرقابة ليست خصومة، ونوابًا يعرفون أن الاختلاف لا يبرر الاشتباك، وأن المقعد النيابي تكليف ومسؤولية، وليس ساحة للمشاحنات أو استعراض القوة.
لا نريد غالبًا ومغلوبًا بين الحكومة والنواب؛ نريد مؤسسات تعمل، وقرارات تُنفذ، ومواطنًا يرى أثر الدولة في حياته.
فاختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، ما دام الحوار يجمعنا والاحترام يحكمنا، وما دامت الغاية واحدة: أن يبقى الأردن فوق كل اعتبار، وأن تكون مصلحة المواطن هي البوصلة التي لا تنحرف.
حمى الله الأردن، وأدام عليه أمنه واستقراره، وحمى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين.
فواز أرفيفان خالد الخريشا
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم