فيصل تايه يكتب: توزيع الطلبة على الحقول .. كيف تعمل الآلية ومتى تبدأ المفاضلة؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 10195
 فيصل تايه يكتب: توزيع الطلبة على الحقول  ..  كيف تعمل الآلية ومتى تبدأ المفاضلة؟
فيصل تايه

فيصل تايه

ما إن يبدأ الحديث عن توزيع الطلبة على الحقول التعليمية في نظام المسارات، حتى تتوالى الأسئلة: هل المعدل هو الذي يحدد الحقل؟ ماذا تعني نسبة الـ٣٠%؟ ومتى تبدأ المفاضلة؟ وهل تنطبق القاعدة نفسها على جميع الأجيال؟ وهل تشمل طلبة المدارس الخاصة؟

في تقديري، فإن أصل الالتباس في هذا الملف يعود إلى الخلط بين رغبة الطالب، والطاقة الاستيعابية، والمفاضلة، مع أن هذه ليست شروطاً تعمل في الوقت نفسه، وإنما مراحل متتابعة؛ تبدأ بالرغبة، ثم تُنظر في ضوء المقاعد المتاحة، ولا تظهر المفاضلة إلا إذا تجاوز عدد الراغبين قدرة الحقل على الاستيعاب.

يختار الطالب الحقل الذي يرغب في الالتحاق به وفق النماذج المعتمدة، ثم تُنظر هذه الرغبة في ضوء الطاقة الاستيعابية. وقد حددت وزارة التربية والتعليم سقفًا لا يتجاوز ٣٠% من إجمالي طلبة المديرية لكل حقل. وهذه النسبة لا علاقة لها بعلامة الطالب ولا بوزن معدله، وإنما تحدد الحد الأعلى لعدد الطلبة الذين يمكن أن يستوعبهم الحقل.

فإذا بقي عدد الراغبين ضمن الطاقة الاستيعابية، فلا تكون هناك حاجة إلى مفاضلة. أما إذا تجاوزت الرغبات عدد المقاعد، فهنا تبدأ المفاضلة، ويصبح المعدل معياراً لترتيب الطلبة المتنافسين، وفق الأسس المعتمدة، لينتقل من لم يحالفه الترتيب إلى رغبته البديلة التالية.

وهذه هي النقطة الأهم: المعدل ليس شرطاً يسبق رغبة الطالب، وإنما معيار يدخل عند التنافس على مقاعد محدودة.

لكن معيار المفاضلة يختلف باختلاف الجيل. فطلبة الصف الحادي عشر، جيل ٢٠٠٩ ، الذين سيجري توزيعهم على الحقول هذا العام، يخضعون عند الحاجة إلى المفاضلة لمعدل الطالب المدرسي في الصف الحادي عشر فقط. وهذه الـ«فقط» مهمة؛ لأنها تخص آلية التوزيع لهذا الجيل هذا العام، ولا ينبغي تعميمها على الأجيال اللاحقة.

أما جيل ٢٠١٠ ، الذي سيجري توزيعه على الحقول في العام المقبل، فستطبق عليه الأسس التي تعتمد المعدل التراكمي العام للصفين العاشر والحادي عشر في المفاضلة والقبول في الحقول، بمناصفة بين معدلي الصفين؛ أي إن معدل الصف العاشر ومعدل الصف الحادي عشر يدخلان بالوزن نفسه في احتساب المعدل المعتمد للمفاضلة.

وهنا ينبغي ألا تختلط المناصفة بنسبة الـ٣٠%؛ فالـ٣٠% تتصل بالطاقة الاستيعابية للحقل، بينما المناصفة تتصل بطريقة احتساب المعدل المعتمد للمفاضلة لجيل ٢٠١٠. كما أن المقصود بالمعدل هو التحصيل المدرسي العام وفق الأسس المعتمدة، وليس انتقاء مواد بعينها من بين المباحث التي يدرسها الطالب.

ويمتد نطاق النظام إلى المدارس الحكومية والخاصة التي تدرّس البرنامج الوطني الأردني (التوجيهي). أما طلبة البرامج الأجنبية في المدارس الخاصة، مثل IG وIB وSAT، فلا يدخلون ضمن التوزيع على الحقول الوطنية، وتخضع أوضاعهم لمتطلبات وإجراءات معادلة الشهادات لدى الجهة المختصة.

وبذلك فإن العبرة ليست بكون المدرسة حكومية أو خاصة، وإنما بالبرنامج الذي يدرسه الطالب؛ وهي نقطة مهمة للأسر حتى لا تُعمم القاعدة على جميع طلبة المدارس الخاصة، ولا يُظن في المقابل أن نظام الحقول يقتصر على المدارس الحكومية.

ومن هنا تتضح مسؤولية المدرسة والأسرة. فالمدرسة ليست مطالبة باختيار الحقل للطالب، بقدر ما هي مطالبة بأن تساعده على فهم آلية الاختيار، وأن تضع أمامه المعلومات التي تمكنه من اتخاذ قرار يتناسب مع قدراته وميوله وطموحه. والأسرة تحتاج إلى أن تبني موقفها على معرفة القاعدة، لا على توقعات أو اجتهادات قد تزيد القلق.

ولا ينبغي أن يتحول المعدل إلى حكم مسبق على مستقبل الطالب، كما لا ينبغي أن يُنظر إلى اختيار الحقل باعتباره ضماناً لمقعد جامعي في تخصص محدد. فالحقل يحدد المساحة التعليمية التي يتحرك فيها الطالب، بينما يبقى القبول الجامعي مرتبطاً بشروطه ومعدلاته وأعداد المتنافسين والطاقة الاستيعابية للتخصصات.

أما المفاضلة، عندما تصبح ضرورية، فلا تمثل مشكلة في ذاتها؛ فهي نتيجة طبيعية عندما تكون الرغبات أكثر من المقاعد ، فالقضية الأهم أن يعرف الطالب متى تبدأ المفاضلة، وعلى أي أساس تتم، وما الذي يحدث إذا لم يحصل على رغبته الأولى. فليست العدالة أن يحصل كل طالب بالضرورة على الحقل الذي يرغب فيه، وإنما أن يدخل الجميع المنافسة وهم يعرفون القاعدة مسبقاً، وأن تطبق عليهم بوضوح واتساق.

وهنا تمتد مسؤولية وزارة التربية والتعليم إلى ما هو أبعد من إصدار التعليمات؛ فنجاح أي نظام لا يقاس فقط بسلامة القاعدة على الورق، وإنما بقدرة الميدان على فهمها وتطبيقها بالطريقة نفسها، فالطالب يحتاج إلى إجابة واضحة، وولي الأمر إلى معلومة موثوقة، والمدرسة إلى تعليمات قابلة للفهم، والمعلم والمرشد إلى خطاب موحد لا يترك مساحة للاجتهاد المتضارب.

وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لنظام المسارات لا تكمن فقط في توزيع الطلبة على الحقول، وإنما في تحويل الاختيار من قرار عشوائي إلى قرار واعٍ؛ بأن يعرف الطالب ما الذي يريده، ويفهم حدود اختياره، ويدرك أن لكل حقل طاقة استيعابية، وأن المنافسة، إن حدثت، لها معيار معروف.

ولهذا فإن نجاح التجربة لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الطلبة الذين وُزعوا على هذا الحقل أو ذاك، بل بمدى فهمهم للعملية قبل أن تبدأ. فوضوح القاعدة جزء من نجاحها، ومعرفة الطالب بها قبل المنافسة جزء من عدالتها.

في النهاية، لا يحتاج المجتمع إلى حفظ التعليمات بقدر حاجته إلى فهم منطقها: الرغبة هي البداية، والطاقة الاستيعابية تحدد المقاعد، والمفاضلة تبدأ عند تزاحم الرغبات، والمعدل يدخل عندها وفق الأسس الخاصة بكل جيل. فإذا كانت هذه القاعدة واضحة للطالب والأسرة والمدرسة وصاحب القرار، تقل مساحة القلق والاجتهاد، ويصبح الاختيار قرارًا مسؤولًا لا مفاجأة تنظيمية.

وعندها يصبح نظام المسارات أكثر من آلية لتوزيع الطلبة؛ يصبح خطوة نحو تعليم يمنح الطالب حقه في أن يختار بوعي، ويحمّله مسؤولية اختياره، ويضمن له في الوقت نفسه أن يعرف القاعدة التي سيُبنى عليها هذا الاختيار قبل أن تبدأ المنافسة.
والله الموفق
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم