حين يخسر الوطن خبراته قبل أن تنتهي قدرتها على العطاء

منذ 37 دقيقة
المشاهدات : 11869
حين يخسر الوطن خبراته قبل أن تنتهي قدرتها على العطاء

عبدالله محمد القضاه

أثارت في نفسي مشاعر من الألم وأنا أتابع خبر إحالة عدد من الحكام الإداريين إلى التقاعد؛ وهم من خيرة قيادات وزارة الداخلية، ممن عرفناهم أصحاب خبرة متراكمة، وحضور إداري راسخ، وقدرة على التعامل مع أصعب الملفات وأكثرها حساسية. غير أن الحديث هنا لا يتعلق بأشخاص بعينهم، بقدر ما يتصل بفكرة إدارية ووطنية تستحق أن نتوقف عندها بجدية ومسؤولية.
لا خلاف على أن بلوغ السن القانونية للتقاعد استحقاق تنظمه التشريعات، وأن مؤسسات الدولة لا يمكن أن تدار بمنطق الاستثناءات أو وفق اعتبارات شخصية. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه بهدوء هو: هل يكفي بلوغ سن معينة وحده للحكم على قدرة القائد الإداري على الاستمرار في العطاء؟ وهل ينبغي أن يكون العمر هو المعيار النهائي لتحديد ما إذا كان الإنسان لا يزال قادرًا على الإنتاج وإضافة القيمة؟
لقد تطورت مفاهيم الإدارة العامة في العالم، فلم تعد الخبرة تقاس بعدد سنوات الخدمة وحده، كما لم يعد العمر معيارًا منفردًا للحكم على الكفاءة. فهناك قيادات تزداد قيمة عطائها مع مرور الزمن؛ لأن تراكم التجربة يمنحها قدرة أكبر على قراءة المشهد، وفهم المجتمع، وإدارة الأزمات، وتقدير المواقف، واتخاذ القرار المناسب في التوقيت المناسب.
والحاكم الإداري، على وجه الخصوص، ليس موظفًا يؤدي ساعات عمل محددة ثم يغادر مكتبه؛ فهو يمثل الدولة في الميدان، ويتعامل بصورة يومية مع قضايا المجتمع، ومتطلبات الأمن، وأولويات التنمية، وتداعيات الأزمات، وتعقيدات العلاقات الاجتماعية. ومن ثم، فإنه يحتاج إلى نضج في الشخصية، وسعة في التجربة، وبعد نظر، وقدرة عالية على التقدير السليم للمواقف. لذلك فإن فقدان قائد إداري متميز لا يعني مجرد شغور وظيفة، بل قد يمثل في بعض الحالات خسارة لرصيد وطني من الخبرة تراكم على مدى عقود.
وقد يرى البعض أن إحالة القيادات إلى التقاعد ضرورة لإتاحة المجال أمام الصف الثاني للترقي وتولي المسؤوليات. وهذا رأي له وجاهته؛ فمن حق الموظف المستحق للترقية أن يجد أمامه مسارًا وظيفيًا واضحًا، وأن يحصل على الفرصة التي تتناسب مع كفاءته واستحقاقه. غير أن المعادلة لا ينبغي أن تُطرح بالضرورة بصيغة الاختيار بين الشباب والخبرة، أو بين التجديد والاحتفاظ بالكفاءات. فالإدارة الحديثة قادرة على تحقيق الأمرين معًا.
يمكن للمستحقين أن ينالوا ترقياتهم، وأن تتسع أمامهم مسارات العمل والمواقع القيادية، وفي الوقت نفسه يمكن للدولة أن تستفيد من القيادات والخبرات التي أثبتت قدرتها على مواصلة العطاء، عبر أدوار استشارية أو قيادية أو تخصصية، أو من خلال مواقع مؤسسية تحتاج إلى خبرتها ومعرفتها المتراكمة. وبهذا يتحول انتقال الخبرة من جيل إلى آخر إلى عملية منظمة، بدل أن ينقطع بصورة مفاجئة عند لحظة التقاعد.
إن المشكلة ليست في التقاعد بحد ذاته، وإنما في أن يصبح مرور الزمن أقوى من الكفاءة، وأن يتحول التاريخ المحدد في التقويم إلى حكم نهائي لا يراعي الأداء ولا الإنجاز ولا حاجة المؤسسة. ولهذا فإننا بحاجة إلى مراجعة فلسفة التعامل مع الخبرة في مؤسسات الدولة، والبحث في نموذج يجعل التقاعد عند سن معينة حقًا للموظف وخيارًا متاحًا له، مع وضع معايير موضوعية وشفافة تتيح استمرار القيادات المتميزة عندما تثبت قدرتها على العمل وحاجة المؤسسة إلى خبرتها.
ومن المهم أن يرتبط استمرار القائد بعد سن الستين، في حال إقراره، بتقييم مهني واضح يشمل مستوى الأداء، وحجم الإنجاز، والقدرة الصحية والوظيفية، والنزاهة، وحاجة المؤسسة، والقيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها. وفي المقابل، فإن الموظف الذي استنفد قدرته على العطاء، أو لم يعد يضيف قيمة حقيقية إلى مؤسسته، ينبغي أن تتم إحالته إلى التقاعد وفق أسس موضوعية، دون مساواة بين أداء روتيني محدود وبين مسيرة تركت أثرًا واضحًا في المؤسسة وخدمة الوطن.
هذه الرؤية ليست دعوة إلى إبقاء المسؤولين في مواقعهم إلى ما لا نهاية، ولا إلى تجاوز القانون أو تفصيل الاستثناءات لأشخاص بعينهم. إنها دعوة إلى التفكير في تشريع أكثر مرونة وعدالة، يوازن بين حق الأجيال الجديدة في التقدم، وحق الدولة في الاحتفاظ بالقيادات والخبرات التي لا تزال قادرة على العطاء. فالدولة الرشيدة لا تخشى التغيير، لكنها في الوقت ذاته لا تبدد خبرتها، ولا تتعامل مع الكفاءة الوطنية باعتبارها موردًا ينتهي بمجرد بلوغ رقم معين في العمر.
ثمة فرق كبير بين أن يتقاعد الإنسان من الوظيفة، وبين أن تتقاعد خبرته. وقد يكون من أكثر القرارات كلفة على الإدارة العامة أن نفقد خبرة وطنية كبيرة في اللحظة التي تصبح فيها أكثر نضجًا وقدرة على تقديم المشورة، وتدريب الجيل الجديد، ونقل المعرفة المؤسسية، والمساهمة في بناء حلول واقعية للتحديات المتراكمة.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم