تكتسب العلاقات الأردنية–الصينية أهمية متزايدة في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، وما تفرضه من إعادة النظر في أنماط الشراكة ومصادر القوة ومجالات التعاون. وفي بيئة دولية تتعدد فيها مراكز القوة وتتسع فيها المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، يصبح تنويع الشراكات الخارجية أحد عناصر تعزيز القدرة الاستراتيجية للدول وتوسيع خياراتها. ومن هذا المنطلق، تطورت العلاقات الأردنية–الصينية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية منذ عام 2015، مستندة إلى رصيد متنامٍ من التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي.
ويمثل التكامل الاقتصادي أحد أهم مرتكزات هذه الشراكة؛ فالصين من أبرز الشركاء التجاريين للأردن، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 5.37 مليار دولار عام 2024. وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الحضور الاقتصادي في إمكانية تطويره من مجرد حركة تجارية إلى شراكة أكثر إنتاجية، من خلال تنمية الصادرات الأردنية، واستقطاب الاستثمارات الصينية، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتوسيع التعاون في الطاقة المتجددة والبنية التحتية والصناعة والاقتصاد الرقمي. فالعلاقة الاقتصادية الأكثر نضجاً ليست التي تزيد حجم التبادل فقط، وإنما التي تزيد قدرة الطرفين على إنتاج القيمة وبناء المعرفة والقدرات.
وفي موازاة الاقتصاد، يبرز التقارب الثقافي والإنساني بوصفه ركناً أساسياً في استدامة العلاقات الدولية. وقد شهد التفاعل الأردني–الصيني خلال السنوات الأخيرة نمواً واضحاً في مجالات اللغة والتعليم والتبادل الأكاديمي والثقافي، إلى جانب وجود مساحات من التقارب في بعض القيم الاجتماعية، مثل احترام الأسرة وكبار السن وتقدير التعليم والمعرفة. وقد أسهم المركز الثقافي الصيني في عمّان ومعاهد كونفوشيوس في الأردن في توسيع هذا التقارب من خلال تعليم اللغة الصينية، والتعريف بالحضارة والثقافة الصينية، وتنظيم البرامج والفعاليات الثقافية والتعليمية، وفتح مساحات للحوار والتفاعل بين الشعبين.
وتتجاوز أهمية هذه الجهود الجانب الثقافي المباشر؛ فاللغة والمعرفة الثقافية تفتحان الطريق إلى فهم أعمق للآخر، وتقللان المسافة بين المجتمعات، وتساعدان على بناء الثقة التي تحتاج إليها العلاقات الاقتصادية والسياسية كي تستمر. ومن هنا، يمكن النظر إلى التقارب الثقافي باعتباره رصيداً استراتيجياً ناعماً يساند الشراكة الرسمية ويمنحها بعداً مجتمعياً وإنسانياً أكثر رسوخاً.
ومن منظور استراتيجي، يمنح تعزيز العلاقات مع الصين الأردن فرصة لتوسيع خياراته الاقتصادية والدبلوماسية، والاستفادة من موقعه الجغرافي وعلاقاته العربية والإقليمية في بناء روابط أوسع بين الصين والمنطقة العربية. كما تفتح مجالات الذكاء الاصطناعي، والطاقة الخضراء، والتكنولوجيا الرقمية، والتعليم، والسياحة، آفاقاً جديدة لتطوير العلاقة نحو تعاون قائم على المعرفة والابتكار وبناء القدرات.
وعليه، فإن مستقبل العلاقات الأردنية–الصينية لا ينبغي أن يُقاس بحجم الاتفاقيات أو قيمة المبادلات التجارية وحدها، وإنما بقدرتها على رفع نوعية التعاون؛ من التجارة إلى الاستثمار، ومن الاستثمار إلى نقل المعرفة، ومن التواصل الرسمي إلى التقارب المجتمعي. فالتجارة قد تفتح الطريق، والدبلوماسية تنظم مساره، والثقافة تمنحه العمق والاستمرارية.
وخلاصة القول، إن العلاقة الأردنية–الصينية تقوم على ثلاثة مرتكزات مترابطة: المصلحة الاقتصادية، والتقارب الثقافي والإنساني، والرؤية الاستراتيجية المشتركة. وإذا أُحسن توظيف هذه المرتكزات، فإن الشراكة بين البلدين تستطيع أن تتجاوز حدود التعاون التقليدي نحو نموذج أكثر توازناً واستدامة، يحول المصالح المشتركة إلى فرص، والمعرفة إلى جسور، والتقارب بين الشعبين إلى أساس لعلاقة طويلة الأمد تخدم مصالح الأردن والصين في عالم سريع التحول.
أ. زيد مفلح الكعابنة
باحث في الدراسات الاستراتيجية
ويمثل التكامل الاقتصادي أحد أهم مرتكزات هذه الشراكة؛ فالصين من أبرز الشركاء التجاريين للأردن، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 5.37 مليار دولار عام 2024. وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الحضور الاقتصادي في إمكانية تطويره من مجرد حركة تجارية إلى شراكة أكثر إنتاجية، من خلال تنمية الصادرات الأردنية، واستقطاب الاستثمارات الصينية، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتوسيع التعاون في الطاقة المتجددة والبنية التحتية والصناعة والاقتصاد الرقمي. فالعلاقة الاقتصادية الأكثر نضجاً ليست التي تزيد حجم التبادل فقط، وإنما التي تزيد قدرة الطرفين على إنتاج القيمة وبناء المعرفة والقدرات.
وفي موازاة الاقتصاد، يبرز التقارب الثقافي والإنساني بوصفه ركناً أساسياً في استدامة العلاقات الدولية. وقد شهد التفاعل الأردني–الصيني خلال السنوات الأخيرة نمواً واضحاً في مجالات اللغة والتعليم والتبادل الأكاديمي والثقافي، إلى جانب وجود مساحات من التقارب في بعض القيم الاجتماعية، مثل احترام الأسرة وكبار السن وتقدير التعليم والمعرفة. وقد أسهم المركز الثقافي الصيني في عمّان ومعاهد كونفوشيوس في الأردن في توسيع هذا التقارب من خلال تعليم اللغة الصينية، والتعريف بالحضارة والثقافة الصينية، وتنظيم البرامج والفعاليات الثقافية والتعليمية، وفتح مساحات للحوار والتفاعل بين الشعبين.
وتتجاوز أهمية هذه الجهود الجانب الثقافي المباشر؛ فاللغة والمعرفة الثقافية تفتحان الطريق إلى فهم أعمق للآخر، وتقللان المسافة بين المجتمعات، وتساعدان على بناء الثقة التي تحتاج إليها العلاقات الاقتصادية والسياسية كي تستمر. ومن هنا، يمكن النظر إلى التقارب الثقافي باعتباره رصيداً استراتيجياً ناعماً يساند الشراكة الرسمية ويمنحها بعداً مجتمعياً وإنسانياً أكثر رسوخاً.
ومن منظور استراتيجي، يمنح تعزيز العلاقات مع الصين الأردن فرصة لتوسيع خياراته الاقتصادية والدبلوماسية، والاستفادة من موقعه الجغرافي وعلاقاته العربية والإقليمية في بناء روابط أوسع بين الصين والمنطقة العربية. كما تفتح مجالات الذكاء الاصطناعي، والطاقة الخضراء، والتكنولوجيا الرقمية، والتعليم، والسياحة، آفاقاً جديدة لتطوير العلاقة نحو تعاون قائم على المعرفة والابتكار وبناء القدرات.
وعليه، فإن مستقبل العلاقات الأردنية–الصينية لا ينبغي أن يُقاس بحجم الاتفاقيات أو قيمة المبادلات التجارية وحدها، وإنما بقدرتها على رفع نوعية التعاون؛ من التجارة إلى الاستثمار، ومن الاستثمار إلى نقل المعرفة، ومن التواصل الرسمي إلى التقارب المجتمعي. فالتجارة قد تفتح الطريق، والدبلوماسية تنظم مساره، والثقافة تمنحه العمق والاستمرارية.
وخلاصة القول، إن العلاقة الأردنية–الصينية تقوم على ثلاثة مرتكزات مترابطة: المصلحة الاقتصادية، والتقارب الثقافي والإنساني، والرؤية الاستراتيجية المشتركة. وإذا أُحسن توظيف هذه المرتكزات، فإن الشراكة بين البلدين تستطيع أن تتجاوز حدود التعاون التقليدي نحو نموذج أكثر توازناً واستدامة، يحول المصالح المشتركة إلى فرص، والمعرفة إلى جسور، والتقارب بين الشعبين إلى أساس لعلاقة طويلة الأمد تخدم مصالح الأردن والصين في عالم سريع التحول.
أ. زيد مفلح الكعابنة
باحث في الدراسات الاستراتيجية
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات