الخريشا يكتب: الأحزاب الأردنية .. بين البقاء والإلغاء وسقوط الثقة

منذ 37 دقيقة
المشاهدات : 8940
 الخريشا يكتب: الأحزاب الأردنية ..  بين البقاء والإلغاء وسقوط الثقة
الشيخ فواز أرفيفان خالد الخريشا

الشيخ فواز أرفيفان خالد الخريشا

ليست القضية في الأردن اليوم أن لدينا أحزابًا كثيرة أو قليلة، وإنما في السؤال الأصعب: هل استطعنا أن نبني حزبية حقيقية تستحق ثقة الأردنيين؟
فالحزب الذي لا يملك برنامجًا واضحًا، ولا ينتج قيادات جديدة، ولا يفتح الطريق أمام الشباب، ولا يتحرر من الشخصنة، لن يصبح قويًا بمجرد الترخيص أو كثرة العضوية. الحزبية ليست أسماءً تُسجّل، ولا مواقعَ يتنافس عليها الأشخاص، ولا مؤتمراتٍ تُعقد؛ الحزبية مؤسسة، وبرنامج، وقيادات، وثقة شعبية.
ومن هنا، يقف مشروع التحديث السياسي أمام استحقاق حقيقي: أن تنتقل الأحزاب من مرحلة التشكّل إلى مرحلة الفعل، ومن الحضور الشكلي إلى التأثير، ومن قيادة الأشخاص إلى قوة المؤسسة.
وهنا يظهر الامتحان الأصعب: هل تجعل الأحزاب من الشباب شركاء حقيقيين في القيادة وصناعة القرار، أم يبقون واجهةً للحضور الحزبي دون أن تكون لهم الكلمة في مستقبله؟
الشباب ليسوا رقمًا في قوائم العضوية، ولا حضورًا لاستكمال المؤتمرات؛ الشباب هم القوة التي تحمل المشروع الحزبي إلى المستقبل. والتمكين الحقيقي يكون بإشراكهم في القرار، ومنحهم مواقع قيادية، وفتح الطريق أمام الكفاءات، وصناعة صف ثانٍ وثالث من القيادات.
فالحزب الذي يخشى صعود شبابه يخشى مستقبله.
وفي الجانب الآخر، يجب ألا تتحول الحزبية إلى مشاريع أشخاص؛ فحين تصبح المواقع أهم من البرامج، والقيادة أهم من المؤسسة، والطموح الفردي أكبر من المشروع الوطني، تفقد الحزبية معناها.
الحزب ليس ملكية خاصة، والقيادة ليست امتيازًا دائمًا، والأمانة العامة ليست إرثًا يتوارثه الأشخاص.
الحزب القوي هو الذي يعيش بالمؤسسة لا بالأفراد؛ تتغير قياداته دون أن يتغير مشروعه، وتتجدد صفوفه دون أن يفقد هويته، ويصعد فيه الشاب لأنه كفؤ، لا لأنه قريب من صاحب القرار.
ومن لا يمارس الديمقراطية داخل حزبه، لا يستطيع أن يقنع الأردني بأنه سيحمل الديمقراطية إلى الدولة.
وفي المقابل، لا تقع مسؤولية نجاح الحياة الحزبية على الأحزاب وحدها؛ فالحكومة شريك أساسي في بناء البيئة الحزبية.
فإذا كانت الحكومة تريد أحزابًا قوية، فعليها أن تهيئ بيئة حزبية قوية؛ بيئة تفتح المجال للحوار، وتقديم البدائل، والنقد المسؤول، وتمكين الكفاءات والشباب.
فالحزب لا ينمو في بيئة حزبية مغلقة، كما أن النقد السياسي المسؤول ليس خصومة مع الدولة، بل جزء من حياة سياسية ناضجة تخدم الدولة والمجتمع.
الحكومة مسؤولة عن البيئة الحزبية، والأحزاب مسؤولة عن أدائها، والمواطن هو الحكم.
لكن الأحزاب لا تستطيع أن تجعل من البيئة الحزبية شماعة دائمة. لقد مُنحت فرصة، وعليها أن تثبت أنها تستحقها.
المواطن يريد حزبًا يعرف ماذا يريد، وكيف سيحقق ما يريد، ومن يملك الكفاءة لحمل المسؤولية. يريد برنامجًا لا شعارًا، ومؤسسة لا تدور حول الأشخاص.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية للأحزاب ليست مع خصومها، وإنما مع صورتها في عين المواطن.
إذا وجد فيها مؤسسة وطنية، وبرنامجًا حقيقيًا، وقيادات قادرة، منحها ثقته. وإذا وجدها ساحة تدور حول الأشخاص والمواقع، ابتعد عنها مهما ارتفعت شعاراتها.
الثقة لا تُطلب بالكلام؛ الثقة تُستحق بالفعل.
الأردن يحتاج أحزابًا قوية لا أحزابًا كثيرة؛ أحزابًا أردنية الهوية والقرار، واضحة البرامج، مفتوحة أمام الكفاءات، قادرة على تمكين الشباب، وصناعة قيادات جديدة، وتحويل الطاقات الأردنية إلى قوة سياسية تخدم الوطن.
ويبقى السؤال: هل تستطيع الأحزاب الأردنية أن تنتصر للمؤسسة على حساب الشخصنة، وللبرنامج على حساب الشعار، وللشباب على حساب الجمود، وأن تثبت للمواطن أن الحزبية مشروع وطن لا مشروع أفراد؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي.
فالأردني لا يبحث عمّن يطلب ثقته، بل عمّن يستحقها.
وإذا نجحت الأحزاب في استحقاق هذه الثقة، أصبحت إحدى أدوات بناء الدولة الحديثة. أما إذا بقيت أسيرة الأشخاص والمواقع والشعارات، فإن سقوط الثقة سيكون نتيجة طبيعية لحزبية لم تستطع الانتقال من مرحلة التشكّل إلى مرحلة الفعل.
حفظ الله الأردن وطنًا عزيزًا شامخًا، آمنًا مستقرًا، وحمى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأطال في عمره، وأدامه ذخرًا وسندًا للأردن، وسمو ولي العهد الأمين.
بقلم: فواز أرفيفان خالد الخريشا
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم