الفرجات يكتب: قطار المغتربين الأردنيين يطلق صافرة الانطلاق

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 26234
 الفرجات يكتب: قطار المغتربين الأردنيين يطلق صافرة الانطلاق
الشيخ ماجد ابو فرج الفرجات

الشيخ ماجد ابو فرج الفرجات

مهلاً… يا من تحمل الأحبة بين جنباتك

ها هو قطار المغتربين الأردنيين يطلق صافرة الرحيل من جديد، بعد صيفٍ قصيرٍ امتلأت فيه البيوت بالأحبة، وضجّت الشوارع بضحكات الأطفال، وعادت إلى الوطن وجوهٌ غابت عنها طويلاً.

جاؤوا في أول الصيف، لا يحملون معهم حقائب السفر فقط، بل يحملون شوقاً متراكماً إلى وطنٍ لا يغادر قلوبهم، وإلى أمٍّ تنتظر أبناءها، وأبٍ يعدّ الأيام، وأخٍ يشتاق إلى أخيه، وأصدقاء لا تكتمل فرحتهم إلا بعودتهم.

جاؤوا بأطفالهم ليروا الأردن الذي عاشوه في ذاكرتهم، وليقولوا لهم: هذا وطنكم، وهذه أرض أجدادكم، وهنا جذوركم.

لكن وراء هذه الرحلة الصيفية حكاية أعمق من الفرح واللقاء.

ففي طوابير المغتربين الأردنيين جهابذة من الخبراء والمختصين، وأطباء ومهندسون وأساتذة وأكاديميون وفنيون وأصحاب كفاءات نادرة، تركوا مواقعهم في وطنهم، وتركوا دفء الأهل، وذهبوا إلى أصقاع الأرض لا بحثاً عن الترف، بل بحثاً عن لقمة العيش الكريمة، وتأمين مستقبل أبنائهم.

كم من أردني كان يمكن أن يكون رقماً مهماً في مؤسسات وطنه، لكنه وجد نفسه يحمل حقيبته إلى المطار، لأن الغربة أصبحت طريقاً اضطرارياً، لا اختياراً سياحياً.

ومع ذلك، فإن هؤلاء الأردنيين لم يكونوا في الغربة مجرد أيدٍ عاملة تبحث عن رزقها، بل كانوا عقولاً تبني، وأفكاراً تؤسس، وكفاءات تصنع الفرق.

لقد أخذ الأردني معه إلى الغربة علمه وخبرته وانضباطه وطموحه، ثم بدأ من حيث يستطيع، حتى أصبح كثير منهم جزءاً من قصص نجاح كبرى في البلدان التي احتضنتهم.

ومن عصارة أفكارهم وخبراتهم قامت مشاريع، وتأسست مدارس، ونهضت جامعات، وأُنشئت مصانع ومؤسسات وشركات، وأسهموا في بناء قطاعات اقتصادية وتعليمية وطبية وهندسية في بلدان الاغتراب.

وكم هو جميل أن نقف أمام هذه الحقيقة بإعجاب واعتزاز: الأردني حين يذهب إلى الغربة لا يأخذ من المكان فقط، بل يعطيه أيضاً.

إنه يحمل في عقله شيئاً من الأردن، ويترك في المكان الذي يعمل فيه شيئاً من شخصية الأردن: جديةً في العمل، وإتقاناً للمهنة، واحتراماً للعلم، وقدرةً على الإدارة، وإصراراً على النجاح.

وهكذا أصبح للمغترب الأردني حضور يتجاوز حدود الوظيفة والراتب؛ أصبح له أثر في التعليم والصناعة والطب والهندسة والتجارة والإدارة، وفي مجتمعات كثيرة شهدت له بالكفاءة والتميز.

وفي آخر آب، يبدأ المشهد الأصعب…

تُغلق الحقائب، وتُلتقط الصور الأخيرة، وتتعالى الدعوات: الله معكم… توصلوا بالسلامة.

لكن الحقيقة أن المغترب حين يعود إلى غربته لا يحمل حقائبه وحدها؛ يحمل معه صورة أمه، ودعاء أبيه، ودمعة زوجة، وابتسامة طفل، ورائحة بيت، وذاكرة وطن.

والمغترب الأردني ليس رقماً في تحويلات مالية، ولا رقماً في ميزان المدفوعات. إنه إنسان اقتطع سنوات من عمره، وأطفأ كثيراً من أشواقه، وتحمل الغربة والبعد والوحدة، ليؤمّن لأسرته حياة أفضل، وليبقى الأردن حاضراً في قلبه وفي عمله وعطائه..

إن تكريم المغترب ليس منّةً عليه، بل وفاءٌ له.

أيها المغترب الأردني…

نحن نعرف أنك حين تغادر في آخر آب لا تغادر الأردن حقاً. تترك جسدك في الغربة، لكن قلبك يبقى هنا.

وحين يطلق القطار صافرة الرحيل، نقول له:

مهلاً يا قطار… تمهّل.

فهؤلاء ليسوا مسافرين عابرين. هؤلاء أبناء الوطن الذين حملوه معهم في غربتهم، وحملوا أحلام أهله في حقائبهم.

اذهبوا بحفظ الله أيها المغتربون الأردنيون، وليكن الوطن أحنّ عليكم حين تعودون، وأوفى لكم حين تتعبون.

فالغربة أخذت من أعماركم كثيراً، وآن للوطن أن يرد لكم بعض الجميل.

فأنتم لم تغادروا الأردن بحثاً عن وطنٍ آخر، بل غادرتموه بحثاً عن لقمة عيش، وبقي الأردن معكم في كل مطار، وكل مدينة، وكل ليلة غربة.

وإن كان الرحيل آخر آب قدراً، فليكن الرجوع أول الحكاية القادمة…

فالأردن ينتظر أبناءه، وأبناؤه يستحقون أن ينتظرهم الأردن بما يليق بهم


بقلم: الشيخ ماجد ابوفرج الفرجات/مدير سابق في الارامكو

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم