مهلاً… يا من تحمل الأحبة بين جنباتك
ها هو قطار المغتربين الأردنيين يطلق صافرة الرحيل من جديد، بعد صيفٍ قصيرٍ امتلأت فيه البيوت بالأحبة، وضجّت الشوارع بضحكات الأطفال، وعادت إلى الوطن وجوهٌ غابت عنها طويلاً.
جاؤوا في أول الصيف، لا يحملون معهم حقائب السفر فقط، بل يحملون شوقاً متراكماً إلى وطنٍ لا يغادر قلوبهم، وإلى أمٍّ تنتظر أبناءها، وأبٍ يعدّ الأيام، وأخٍ يشتاق إلى أخيه، وأصدقاء لا تكتمل فرحتهم إلا بعودتهم.
جاؤوا بأطفالهم ليروا الأردن الذي عاشوه في ذاكرتهم، وليقولوا لهم: هذا وطنكم، وهذه أرض أجدادكم، وهنا جذوركم.
لكن وراء هذه الرحلة الصيفية حكاية أعمق من الفرح واللقاء.
ففي طوابير المغتربين الأردنيين جهابذة من الخبراء والمختصين، وأطباء ومهندسون وأساتذة وأكاديميون وفنيون وأصحاب كفاءات نادرة، تركوا مواقعهم في وطنهم، وتركوا دفء الأهل، وذهبوا إلى أصقاع الأرض لا بحثاً عن الترف، بل بحثاً عن لقمة العيش الكريمة، وتأمين مستقبل أبنائهم.
كم من أردني كان يمكن أن يكون رقماً مهماً في مؤسسات وطنه، لكنه وجد نفسه يحمل حقيبته إلى المطار، لأن الغربة أصبحت طريقاً اضطرارياً، لا اختياراً سياحياً.
ومع ذلك، فإن هؤلاء الأردنيين لم يكونوا في الغربة مجرد أيدٍ عاملة تبحث عن رزقها، بل كانوا عقولاً تبني، وأفكاراً تؤسس، وكفاءات تصنع الفرق.
لقد أخذ الأردني معه إلى الغربة علمه وخبرته وانضباطه وطموحه، ثم بدأ من حيث يستطيع، حتى أصبح كثير منهم جزءاً من قصص نجاح كبرى في البلدان التي احتضنتهم.
ومن عصارة أفكارهم وخبراتهم قامت مشاريع، وتأسست مدارس، ونهضت جامعات، وأُنشئت مصانع ومؤسسات وشركات، وأسهموا في بناء قطاعات اقتصادية وتعليمية وطبية وهندسية في بلدان الاغتراب.
وكم هو جميل أن نقف أمام هذه الحقيقة بإعجاب واعتزاز: الأردني حين يذهب إلى الغربة لا يأخذ من المكان فقط، بل يعطيه أيضاً.
إنه يحمل في عقله شيئاً من الأردن، ويترك في المكان الذي يعمل فيه شيئاً من شخصية الأردن: جديةً في العمل، وإتقاناً للمهنة، واحتراماً للعلم، وقدرةً على الإدارة، وإصراراً على النجاح.
وهكذا أصبح للمغترب الأردني حضور يتجاوز حدود الوظيفة والراتب؛ أصبح له أثر في التعليم والصناعة والطب والهندسة والتجارة والإدارة، وفي مجتمعات كثيرة شهدت له بالكفاءة والتميز.
وفي آخر آب، يبدأ المشهد الأصعب…
تُغلق الحقائب، وتُلتقط الصور الأخيرة، وتتعالى الدعوات: الله معكم… توصلوا بالسلامة.
لكن الحقيقة أن المغترب حين يعود إلى غربته لا يحمل حقائبه وحدها؛ يحمل معه صورة أمه، ودعاء أبيه، ودمعة زوجة، وابتسامة طفل، ورائحة بيت، وذاكرة وطن.
والمغترب الأردني ليس رقماً في تحويلات مالية، ولا رقماً في ميزان المدفوعات. إنه إنسان اقتطع سنوات من عمره، وأطفأ كثيراً من أشواقه، وتحمل الغربة والبعد والوحدة، ليؤمّن لأسرته حياة أفضل، وليبقى الأردن حاضراً في قلبه وفي عمله وعطائه..
إن تكريم المغترب ليس منّةً عليه، بل وفاءٌ له.
أيها المغترب الأردني…
نحن نعرف أنك حين تغادر في آخر آب لا تغادر الأردن حقاً. تترك جسدك في الغربة، لكن قلبك يبقى هنا.
وحين يطلق القطار صافرة الرحيل، نقول له:
مهلاً يا قطار… تمهّل.
فهؤلاء ليسوا مسافرين عابرين. هؤلاء أبناء الوطن الذين حملوه معهم في غربتهم، وحملوا أحلام أهله في حقائبهم.
اذهبوا بحفظ الله أيها المغتربون الأردنيون، وليكن الوطن أحنّ عليكم حين تعودون، وأوفى لكم حين تتعبون.
فالغربة أخذت من أعماركم كثيراً، وآن للوطن أن يرد لكم بعض الجميل.
فأنتم لم تغادروا الأردن بحثاً عن وطنٍ آخر، بل غادرتموه بحثاً عن لقمة عيش، وبقي الأردن معكم في كل مطار، وكل مدينة، وكل ليلة غربة.
وإن كان الرحيل آخر آب قدراً، فليكن الرجوع أول الحكاية القادمة…
فالأردن ينتظر أبناءه، وأبناؤه يستحقون أن ينتظرهم الأردن بما يليق بهم
بقلم: الشيخ ماجد ابوفرج الفرجات/مدير سابق في الارامكو
الشيخ ماجد ابو فرج الفرجات
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
إعلان صادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربية للناجحين بالثانوية العامة
منذ 5 أيام
02
04
الأردن اليوم
العين القضاة: متسولة تجمع 30 ألف دينار من التسول .. ثم تُقتل على يد ابن شقيقتها
منذ 3 أيام
05
الأردن اليوم
مهم من "القبول الموحد" للناجحين في التوجيهي بشأن فتح باب التقديم للجامعات الرسمية
منذ 3 أيام
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
د. نضال المجالي يكتب: ألفا عام من تعميد المسيح .. والجاهزية هي الامتحان الحقيقي
منذ 13 دقيقة
كُتاب سرايا
ماهر أبو طير يكتب: رُدوا علينا عمان من غربتها
منذ 15 دقيقة
كُتاب سرايا
د.عبدالله سرور الزعبي يكتب: اتفاق مكة وهندسة الغموض
منذ 16 دقيقة
كُتاب سرايا
مكرم أحمد الطراونة يكتب: لماذا يذهب الملك إلى الصين الآن؟
منذ 17 دقيقة
أخبار فنية
فن
تفاصيل خلاف الفنان أحمد مجدي وأحد شركائه بسبب معدات تصوير
منذ 15 دقيقة
فن
ليلى أحمد زاهر ترد على انتقادات حلقتها مع أنس بوخش
منذ 56 دقيقة
فن
طليقة قصي مديحة الحمداني في الظهور الأول مع زوجها الثاني بصورة رومنسية
منذ 1 ساعة
فن
معتصم النهار يبدأ مشواره فى مصر بـ 3 أعمال دفعة واحدة والعرض قريباً
منذ 9 ساعات
فن
هالة صدقى توجه نصيحة هامة لأحمد غزى وكزبرة بعد طرح محمود التانى
منذ 9 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
خسارة ثانية لمنتخب السلة الأردني في بطولة ويليام جونز
منذ 10 دقائق
رياضة
بعد توريس .. باريس يعلن عن خامس صفقاته
منذ 47 دقيقة
رياضة
معوض يودع الوحدات بكلمات مؤثرة
منذ 50 دقيقة
رياضة
أولهم رياض محرز .. 4 نجوم يبحثون عن ناد في الميركاتو
منذ 2 ساعة
رياضة
انفصلت عن رونالدو منذ 10 سنوات ويحتفظ بصورها .. من هي الفاتنة إيرينا شايك؟
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
بيع أغلى صقر في المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور 2026 بـ1.3 مليون ريال
منذ 24 دقيقة
منوعات من العالم
داخل خزانة بالحرم الجامعي .. القبض على مطلق نار في جامعة أمريكية
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
يسبب "العقم" .. حظر طلاء الأظافر الجل في بريطانيا
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
"أقزام" تظهر أمام المرضى .. نبات غامض يسبب هلوسات في الصين
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
جريمة تأمين صحي تهز أمريكا .. اعتراف وإحباط شعبي في قاعة المحكمة
منذ 8 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات