الأديبة ريما ملحم .. من حبر الكتابة إلى شقّ المسارات الثقافية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9247
الأديبة ريما ملحم ..  من حبر الكتابة إلى شقّ المسارات الثقافية

سرايا - ثمة فرق بين أن تُقام فعالية ثقافية، وأن يتأسس فعل ثقافي. الأولى تنتهي بانطفاء أضواء القاعة، أما الثانية فتترك أثرًا يمضي أبعد من المنصة، إلى الإنسان والمكان والذاكرة.

في هذه المسافة تتحرك جمعية «تواصل الثقافية»، التي اختارت أن تنظر إلى الثقافة بوصفها فعلًا وطنيًا، لا موسمًا من المناسبات. ومن هنا، أخذت الجمعية خلال سنوات عملها تشتغل على أكثر من مسار: رعاية الإبداع، اكتشاف المواهب، الاحتفاء بالمبدعين، تنشيط المحافظات، واستعادة الصلة بين الأدب وذاكرة المكان.

وعلى رأس هذا المشروع تقف الأديبة ريما ملحم، رئيسة الجمعية، التي انتقلت من فضاء الكتابة إلى فضاء الفعل الثقافي، حاملةً معها حساسية الكاتب تجاه الإنسان والمكان، ومؤمنة بأن الثقافة لا ينبغي أن تبقى حبيسة القاعات، بل عليها أن تذهب إلى الناس حيث هم، وإلى الأمكنة التي صنعت حكاياتهم.

حصلت «تواصل» على ترخيصها الرسمي كمنظمة غير حكومية أردنية عام 2015، وبدأت تجربتها في الأردن ضمن رؤية تعنى بالتوعية والتعليم والتدريب وتمكين الشباب والنساء والأطفال، قبل أن يتقدم البعد الثقافي والأدبي في تجربتها، ليصبح أحد أبرز عناوينها.

ولعل ما يميز تجربة الجمعية أنها لا تتعامل مع الثقافة باعتبارها نشاطًا منفصلًا، بل باعتبارها شبكة من العلاقات بين الكاتب ومكانه، والمبدع ومجتمعه، والذاكرة وحاضرها.

من هنا جاءت مشاريع مثل جائزة الراحل المحامي محمد عياش ملحم «ابن الجنوب»، التي منحت الكتابة في محافظات الجنوب مساحة للظهور، وربطت الإبداع بالإنسان والمكان، ثم اتسعت في دورتها الثالثة نحو «سرديات المقاومة في فلسطين»، لتصل المحلي بالوطني والعربي.

وفي الاتجاه نفسه، جاء مشروع «الدارات الثقافية»، الذي أعاد الأديب إلى بيته الأول، عبر الاحتفاء بأسماء إبداعية في الكرك والبلقاء وإربد. فبيت المبدع، في فلسفة المشروع، ليس مجرد عنوان؛ إنه جزء من سيرته، والمكان ليس خلفية للحكاية، بل أحد عناصرها.

وتتصل هذه الرؤية باهتمام الجمعية بالتاريخ الشفوي والذاكرة المحلية والسردية الأردنية، انطلاقًا من إيمان بأن الحكاية الوطنية لا تُكتب من مركز واحد، وإنما تتشكل من حكايات الناس والأمكنة والقرى والمدن، ومن تجارب الأفراد التي تتحول مع الزمن إلى ذاكرة جمعية.

وفي هذا السياق، يبدو رهان «تواصل» واضحًا: توسيع الخريطة الثقافية الأردنية، بحيث لا تكون المحافظات متلقية للثقافة القادمة من العاصمة، بل شريكة في إنتاجها، وراوية لذاكرتها، وصانعة لأصواتها الجديدة.

أما ريما ملحم، فلا تبدو في هذا المشهد مجرد رئيسة جمعية، بل جزءًا من الفكرة نفسها؛ أديبة اختارت أن تضيف إلى الكتابة فعلًا ميدانيًا، وأن تجعل من العمل الأهلي مساحة أخرى للثقافة.

فالجائزة عند «تواصل» ليست لحظة إعلان فائزين، والدّارة ليست بيتًا يُفتح لمناسبة، والندوة ليست ساعة تنتهي بانتهاء الحوار. إنها محاولات لبناء أثر يتراكم، ولإبقاء الثقافة في حالة حركة، بعيدًا عن منطق المناسبة العابرة.

وهنا تكمن قيمة التجربة: في نقل الثقافة من المنصة إلى المكان، ومن المركز إلى الأطراف، ومن الاحتفاء بالمبدع إلى رعاية الطريق الذي يصنع مبدعين جددًا، ومن الذاكرة بوصفها ماضيًا إلى الذاكرة بوصفها طاقة للحاضر.

في المحصّلة، تبدو «تواصل» محاولة لصناعة جسر بين الإنسان والثقافة، وبين الأدب والمكان، وبين الذاكرة والحاضر. جسر لا يكتفي بأن يصل ضفتين، بل يحاول أن يجعل العبور نفسه فعلًا ثقافيًا.

فالثقافة، حين تغادر المنصة وتمشي بين الناس، تصبح حياة. وحين تحفظ حكاية المكان، تصبح ذاكرة. وحين تفتح الطريق لصوت جديد، تصبح مستقبلًا.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم