رافع العرواني يكتب: هل تعود المسألة الألمانية ؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 5310
رافع العرواني يكتب: هل تعود المسألة الألمانية ؟
رافع محمد عبد الرحمن العرواني

رافع محمد عبد الرحمن العرواني

منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير ٢٠٢٢ ، بدأت تطرح مسألة عودة المسألة الألمانية في الجانب الأخر من القارة ،وذلك بعد أن أعلن المستشار الألماني آنذاك أولاف شولتز أن ألمانيا أنهت حالة ضبط النفس الإستراتيجي التي اتسمت بها بعد الحرب العالمية الثانية ، معلنا تأسيس صندوق تمويل عسكري خارج الموازنة بقيمة ١٠٠ مليار يورو ، وهذا يعني أن ألمانيا دخلت في حالة طوارئ وطنية منذ ذلك الوقت . خلال تموز يوليو الحالي وافق مجلس الوزراء الألماني برئاسة المستشار الحالي فريدريش ميرتز على مسودة موازنة العام القادم بحيث ترتفع موازنة الدفاع الأساسية إلى أكثر من ١٠٩ مليار يورو مقارنة ب حوالي ٨٢ مليار يورو للعام الحالي بالإضافة إلى إقرار استراتيجية الإقتراض التراكمي بقيمة تتجاوز ٧٨٣ مليار يورو للنفقات الدفاعية في الفترة ما بين ٢٠٢٦ و ٢٠٣٠ ، مع التأكيد على أن الإنفاق الدفاعي سيصل إلى ٣.٥% بحلول عام ٢٠٢٩ و ٥% بحلول عام ٢٠٣٥ ، ناهيك عن قانون التعبئة الجديد الذي يلزم جميع الذكور الألمان الذين تتراوح أعمارهم بين ١٧ و ٤٥ عاما بالحصول على إذن مسبق من الجيش الألماني(البوندسفير) قبل مغادرة البلاد لفترة تتجاوز ثلاثة شهور. كل هذا وأكثر يعيد إلى الأذهان معضلة شغلت أوروبا في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ، والتي جرت الإنسانية جمعاء إلى أكبر صراعين عسكريين في التاريخ في غضون أقل من أربعين سنة. تعود جذور المسألة الألمانية إلى زمن القبائل الجرمانية وصراعها مع الرومان ،مرورا بالإمبراطورية الرومانية المقدسة التي عاشت طويلا وعاصرت حرب الثلاثين عاما التي افرزت بداية نواة العالم المتحضر في صلح فستفاليا عام ١٦٤٨ وما تلاها من أحداث أبرزها تشكل أوروبا جديدة بعد حروب نابليون وختاما بتوحد جميع الألمان -بإستثناء النمسا- تحت لواء بروسيا والتي سرعان ما أضحت قوة صناعية متنامية بتصاعد رهيب، وهذا ما شكل ذروة المسألة الألمانية في أوروبا والعالم . في الحقيقة والواقع وبنظرة موضوعية صرفة ليس في ألمانيا حاليا ولا بالمستقبل القريب شيء يهدد العالم ، فقد انصهرت ألمانيا مؤسسيا في المنظومتين الأوروبية والأطلسية على حد سواء ولم تعد في عالم يسمح لها أن تمارس تلك العقيدة الجيوسياسية النازية ولا تلك التي سبقتها في زمن القياصرة والتي تدور حول مركزية الأرستقراطية العسكرية البروسية ، فقد فهم العالم الدرس جيدا وأدرك أن ألمانيا بموقعها وثقلها لا بد لها أن تقيد في منظومات تجعل العالم يأمن شرها ويستفيد منها في آن واحد وقد كان ذلك بالفعل في ألمانيا الغربية ، وألمانيا الاتحادية التي تلتها مطلع التسعينيات . إن التحدي الحقيقي الذي يواجه ألمانيا هو التحدي الداخلي ، فعليهم أن يعززوا قيمهم الدستورية البرلمانية التعددية والتأكيد على إبقاء الجيش تحت سلطة البرلمان، والتمسك بعرف الجدار العازل الذي بموجبه لا تدخل الأحزاب الكبيرة في ائتلاف حاكم مع أي حزب يميني متطرف ، خاصة مع تصاعد شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا في الشرق وتحديدا في ساكسونيا ، فصعود مثل هذا الحزب في البلاد عامة وتشكيله للحكومة ربما يؤدي إلى مشاكل بعضها يدرك عقباه وبعضها الآخر لا يدرك ، فألمانيا لا تريد أن تعيد أهلها لويلات ذكراها في كل بيت ألماني من قتيل أو جريح أو مفقود أو من الملايين التي أجبرت على الهجرة من مناطق شرق أوروبا ومنطقة بروسيا الشرقية التي فتتها الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية ومنحوا معظمها لبولندا وجيبا معزولا يطل على بحر البلطيق لروسيا ما نتج عنه أكبر عملية تغيير ديمغرافي في تاريخ أوروبا . أكدت ألمانيا بعد الوحدة عام ١٩٩٠ انها تتخلى عن أي مطالبة بالأراضي البروسية الواقعة شرق خط أودر نيسة بموجب معاهدة وقعتها مع بولندا ، بالإضافة إلى صيغة ٢+٤ التي جمعت ألمانيا شرقها وغربها مع بريطانيا وأميركا والإتحاد السوفييتي وفرنسا ، والتي تخلصت ألمانيا خلالها من كل تبعات الإحتلال والتقسيم التي تعرضت له ، ونالت سيادتها التامة في كل شيء . رافع العرواني
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم