د. حسين سالم الجبور يكتب: بعد كأس العالم… ملعب معتمد في كل محافظة .. مسؤولية وطنية مشتركة

منذ 37 دقيقة
المشاهدات : 6500
د. حسين سالم الجبور يكتب: بعد كأس العالم… ملعب معتمد في كل محافظة ..  مسؤولية وطنية مشتركة
 د. حسين سالم الجبور

د. حسين سالم الجبور

بعد الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب الوطني الأردني بالوصول إلى نهائيات كأس العالم، تدخل كرة القدم الأردنية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في منظومة كرة القدم بأكملها، وليس فقط في مستوى اللاعبين والمدربين والمنتخبات. فالوصول إلى كأس العالم رفع سقف الطموحات، وأصبح من الضروري أن تواكب البنية التحتية الرياضية هذا الطموح، وفي مقدمتها الملاعب التي تمثل الأساس لأي تطور حقيقي ومستدام.

وقد حظيت الرياضة الأردنية، على مدار السنوات الماضية، بدعم واهتمام ملكي مستمر، انعكس في دعم الحركة الرياضية والشبابية وتعزيز حضور الأردن في مختلف المحافل الرياضية. ومع الإنجاز التاريخي الذي تحقق بالوصول إلى كأس العالم، تبدو الحاجة اليوم أكبر إلى البناء على هذا الدعم من خلال الانتقال إلى مرحلة جديدة من التخطيط الرياضي، يكون تطوير البنية التحتية والملاعب أحد أهم عناوينها.

ومن هنا، أحد الأهداف التي يجب أن تكون ضمن أولويات المرحلة المقبلة هو الوصول إلى وجود ملعب معتمد وقادر على استضافة المنافسات الرسمية في كل محافظة من محافظات المملكة، إلى جانب شبكة من الملاعب التدريبية والمجتمعية التي تخدم الأندية والفئات العمرية والكرة النسوية.

ولا يعني ذلك أن تمتلك كل محافظة استادا ضخما، وإنما أن تتوافر فيها منشأة رياضية مؤهلة وفق معايير واضحة، وقادرة على استضافة المباريات والتدريبات والبطولات، بما يخفف الضغط عن الملاعب الرئيسية الحالية ويوسع قاعدة ممارسة كرة القدم في مختلف مناطق المملكة.

فالواقع الحالي يفرض ضغطا متزايدا على عدد محدود من الملاعب المؤهلة، نتيجة استخدامها من قبل الأندية والمنتخبات الوطنية والفئات العمرية والكرة النسوية، إضافة إلى فترات الإغلاق المرتبطة بالصيانة، الأمر الذي يرفع معدلات الاستخدام ويزيد الأعباء المالية والفنية على الأندية والجهات المشرفة على المسابقات. كما أن المشكلة لا تتعلق بعدد الملاعب فقط، وإنما بجاهزيتها واستدامة تشغيلها، بما يشمل أرضيات اللعب والمرافق والخدمات ومتطلبات الأمن والسلامة.

لذلك لم تعد الحلول المؤقتة كافية، وأصبح من الضروري وضع استراتيجية وطنية للملاعب الرياضية تحدد احتياجات كل محافظة، وتضع أولويات واضحة لتطوير الملاعب القائمة وإنشاء منشآت جديدة، مع تحديد مصادر التمويل وآليات التشغيل والصيانة.

وهذه الاستراتيجية يجب أن تقوم على مفهوم المسؤولية المشتركة. فالحكومة مطالبة بتوفير الدعم والتشريعات والحوافز اللازمة، والاتحاد الأردني لكرة القدم بتحديد المواصفات الفنية ومعايير الاعتماد والاحتياجات الفعلية للمنافسات، فيما تستطيع البلديات المساهمة من خلال توفير الأراضي والخدمات والبنية التحتية المحلية.

وفي المقابل، يجب أن يكون للقطاع الخاص دور أكبر، ليس من خلال الدعم والرعاية فقط، وإنما عبر الاستثمار في إنشاء وتطوير وتشغيل المنشآت الرياضية، مقابل حقوق استثمارية واضحة تشمل الإعلانات والرعاية وحقوق التسمية وتأجير المرافق واستضافة الفعاليات.

كما يمكن للجامعات الأردنية أن تكون شريكا مهما من خلال تطوير منشآتها الرياضية وإتاحتها للأندية والمنتخبات وفق اتفاقيات واضحة، بما يوفر ملاعب إضافية ويخفف الضغط عن المنشآت الحكومية.

والأهم أن هذه المنظومة لا يجب أن تركز على الملاعب الكبيرة فقط. كرة القدم تحتاج إلى ملاعب رئيسية للمباريات الرسمية، وملاعب تدريبية، وملاعب للفئات العمرية، ومنشآت للكرة النسوية، وملاعب خماسية وسداسية. فالموهبة لا تبدأ في الاستاد الكبير، وإنما تبدأ من الملعب القريب من منزل اللاعب ومدرسته وناديه ومجتمعه.

كما أن تطوير الملاعب في المحافظات يمكن أن يتجاوز الجانب الرياضي، ليصبح جزءا من التنمية المحلية من خلال استضافة البطولات والفعاليات، وتنشيط قطاعات النقل والفنادق والمطاعم والخدمات، وخلق فرص جديدة للشباب والاستثمار.

وفكرة إنشاء مشروع استاد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني الدولي يمثل إضافة مهمة للبنية التحتية الرياضية في المملكة، لكنه يجب أن يكون جزءا من منظومة أوسع، لأن استادا واحدا، مهما بلغت سعته، لن يحل وحده احتياجات الأندية والمنتخبات والفئات العمرية والكرة النسوية.

لذلك فإن المطلوب هو إعداد خريطة وطنية للملاعب تحدد احتياجات كل محافظة، وحالة المنشآت القائمة، والملاعب المطلوب تطويرها أو إنشاؤها، وأولويات التنفيذ، ومصادر التمويل، والجهات المسؤولة عن التشغيل والصيانة.

وهذا يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والاتحاد والبلديات والقطاع الخاص والجامعات والأندية، بحيث يتحمل كل طرف جزءا من المسؤولية وفق دوره وإمكاناته.

بعد كأس العالم، لم يعد السؤال فقط: كيف نحافظ على الإنجاز؟ بل كيف نبني البيئة التي تجعل هذا الإنجاز بداية لإنجازات جديدة؟

والإجابة تبدأ من الملاعب.

ملعب معتمد في كل محافظة ليس رفاهية رياضية، بل استثمار في الشباب، وفي كرة القدم، وفي التنمية المحلية، ومسؤولية وطنية مشتركة قادرة على نقل الكرة الأردنية إلى مرحلة جديدة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم