محمد إبراهيم مطالقة محام وباحث
لم تكن المشكلة يوماً في أن تنفذ الدولة مشروعاً وطنياً، ولا في أن تمد يدها إلى ملكية خاصة لتحقيق منفعة عامة. فالدولة، في إطار القانون، تملك أدوات الاستملاك اللازمة لتنفيذ مشاريعها، والمواطن يدرك أن الملكية الخاصة ليست حقاً معزولاً عن المصلحة العامة.
لكن الدولة، في المقابل، لا تستطيع أن تجعل المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة التنمية.
وهنا تحديداً تكمن مشكلة الربع القانوني في مشاريع السكك الحديدية.
فالحكومة هي التي تقدمت بمشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية لسنة 2026، وهو مشروع قالت الجهات النيابية الرسمية إنه يأتي لتطوير المنظومة التشريعية العقارية وتعزيز حماية حقوق الملكية.
لكن عندما وصل النقاش إلى مسألة إدخال السكك الحديدية في الإطار القانوني المرتبط بالطريق وما قد يترتب على ذلك من آثار على ملكية المواطنين، ظهرت اعتراضات نيابية واضحة.
وهنا لم يكن النواب يعترضون على سكة الحديد.
ولم يكونوا ضد التنمية.
ولم يكونوا ضد مشاريع الدولة.
كان السؤال الذي طرح نفسه أكثر بساطة وأكثر جوهرية:
لماذا يتحمل صاحب الأرض جزءاً من تكلفة مشروع عام من ملكيته الخاصة؟
هذا السؤال كان يجب أن يكون حاضراً على طاولة الحكومة قبل أن يصل مشروع القانون إلى مجلس الأمة، لا بعد أن يتحول إلى قضية رأي عام.
فالتشريع الجيد لا يبدأ بالأزمة ثم يبحث عن حل لها.
التشريع الجيد يمنع الأزمة قبل أن تقع.
وهنا تحديداً يبدأ السؤال عن التخبط الحكومي.
من اقتراح الربع إلى التعويض الكامل... ماذا حدث؟
الحكومة التي تقدمت بالتعديل، ثم واجهت اعتراضات نيابية وشعبية على آثاره المحتملة، عادت اليوم لتقرر بالنسبة لأراضي مشروع سكة حديد العقبة معالجة تقوم على التعويض الكامل أو المبادلة.
وليس في التعويض الكامل ما يزعج.
بل على العكس، إذا كان هذا هو الحل الذي يحفظ حقوق أصحاب الأراضي، فهو محل ترحيب.
لكن المشكلة ليست في النتيجة.
المشكلة في الطريق الذي أوصل إليها.
فإذا كان التعويض الكامل هو الحل العادل، فلماذا احتاج الأمر إلى كل هذا الاشتباك التشريعي والسياسي حتى تصل الحكومة إليه؟
وإذا كان الربع القانوني هو الحل العادل، فلماذا تراجعت عنه الحكومة في هذا المشروع؟
وإذا كانت لكل مشروع ظروفه الخاصة، فأين هي القاعدة التي تضمن للمواطن أن حقوقه لن تتغير عندما تمر السكة الحديدية في أرضه غداً؟
هذه ليست أسئلة للمزايدة.
هذه أسئلة يجب أن تجيب عنها الحكومة بمنطق القانون لا بمنطق البيان الصحفي.
المشكلة الأخطر: هل أصبحت العدالة مرتبطة بحجم الصوت؟
هنا نصل إلى جوهر القضية.
إذا احتج أصحاب الأراضي، وارتفع صوتهم، وتحرك النواب، وأصبحت القضية حاضرة في الرأي العام، فتتدخل الحكومة وتقرر التعويض الكامل.
ماذا عن المواطن الذي لا يملك القدرة على تحريك الرأي العام؟
ماذا عن صاحب الأرض الذي سيكتشف بعد سنوات أن مشروعاً للسكك الحديدية سيمر في أرضه؟
ماذا عن أصحاب الأراضي الواقعة على مسارات مشاريع أخرى؟
هل سيحصلون على المعاملة نفسها؟
هل سيكون التعويض كاملاً؟
هل ستكون المبادلة متاحة؟
هل ستكون هناك أراضٍ بديلة؟
أم أن الأمر سيخضع للنص الذي كانت الحكومة تدافع عنه قبل أن تتراجع؟
هنا لا نتحدث عن سكة حديد واحدة. نتحدث عن مبدأ.
فإذا كانت الدولة قد اكتشفت أن تطبيق الربع القانوني في مشاريع السكك الحديدية يمس عدالة التعويض، فإن معالجة الأمر يجب ألا تكون مرتبطة بمشروع العقبة وحده.
وإذا كانت قد اكتشفت أن الربع القانوني لا يزال صحيحاً في بعض الحالات، فعليها أن تشرح للرأي العام ما هو معيار التمييز بين الحالات.
أما ترك المسألة معلقة، فمعناه أن المواطن لا يعرف اليوم ماذا سيحدث لملكيته عندما تدخل في مسار مشروع مستقبلي.
وهذا أمر لا يجوز في دولة القانون.
لا يجوز أن يكون للمواطن "المحظوظ" حق، وللمواطن الصامت نص
الحقوق لا تتجزأ بحسب القدرة على الاحتجاج.
ولا يجوز أن يصبح القانون أكثر سخاءً مع المواطن الذي نجح في إيصال صوته إلى الإعلام، وأقل سخاءً مع المواطن الذي لم يعرف بعد أن أرضه ستكون جزءاً من مشروع مستقبلي.
الدولة لا تقيس الحقوق بعدد المتظاهرين أمام أبوابها.
ولا ينبغي أن يكون معيار العدالة هو مقدار الضجيج الذي يصنعه صاحب الحق.
لأننا إذا قبلنا بهذه القاعدة، فإننا نؤسس لسابقة خطيرة:
من يحتج يحصل على معالجة.
ومن لا يحتج يلتزم بالنص.
وهذا يقلب مفهوم دولة القانون رأساً على عقب.
القانون يفترض أن يحمي الجميع قبل أن تبدأ الخصومة، لا أن يبدأ في حماية صاحب الحق بعد أن تتحول قضيته إلى قضية رأي عام.
والحكومة هنا لم تربك المواطن فقط... بل أحرجت مجلس النواب
هناك جانب آخر لا ينبغي تجاهله.
مجلس النواب ليس جهة لتسجيل القرارات الحكومية.
والحكومة ليست جهة فوق النقاش البرلماني.
الدستور جعل لكل سلطة دوراً، وجعل التشريع عملية تشاركية تقوم على النقاش والمراجعة والتعديل.
بل إن رئيس اللجنة القانونية النيابية أكد أن مناقشة مشاريع القوانين لا تهدف إلى مجرد إقرارها، وإنما إلى تجويدها وتطوير نصوصها وتحقيق توازن بين متطلبات المرحلة وحقوق المواطنين.
فماذا حدث عندما اعترض النواب؟
بدلاً من أن تكون ملاحظاتهم فرصة لمراجعة النص بهدوء، أصبح المشهد وكأن مجلس النواب هو الطرف الذي يقف في طريق مشروع وطني.
ثم جاءت الحكومة لاحقاً لتقدم حلاً يقترب من جوهر المخاوف التي أثارها النواب.
وهنا لا بد من قولها بصراحة:
الحكومة لم تطعن المواطن فقط في ملكيته.
لقد طعنت النواب في الخاصرة.
وضعتهم أمام الرأي العام في موقع من يعارض أو يعطل، ثم عادت هي نفسها لتتراجع عن الموقف الذي دافع عنه النواب.
فكيف سيقف النائب غداً أمام المواطن ليشرح له موقفه؟
وكيف ستقنع الحكومة الناس بأن اعتراض النواب على التشريع كان عرقلة، إذا كانت هي نفسها قد انتهت إلى معالجة تؤكد جوهر اعتراضهم؟
التراجع فضيلة... لكن الاعتراف بالخطأ فضيلة أكبر
ليس عيباً أن تتراجع الحكومة.
بل العيب أن تتمسك بخطأ واضح لمجرد أنها سبق أن تبنته.
لكن التراجع المسؤول يحتاج إلى شجاعة سياسية.
أن تقول الحكومة:
نعم، راجعنا موقفنا. نعم، تبين لنا أن هناك آثاراً تحتاج إلى معالجة. نعم، سنضع قاعدة عامة تحمي حقوق جميع المواطنين.
هذا هو التصحيح الحقيقي.
أما أن يتم حل مشكلة مشروع واحد، ثم تترك بقية المشاريع معلقة، فهذا ليس إصلاحاً للتشريع.
إنه تسكين للأزمة.
والفرق بين الإصلاح وتسكين الأزمة كبير.
الإصلاح يضع قاعدة تستمر بعد انتهاء الخبر.
أما التسكين فينتهي بانتهاء الخبر.
أين حقوق أصحاب الأراضي في مشاريع السكك الحديدية الأخرى؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن ينتقل الآن من الشارع إلى مجلس الوزراء ومجلس النواب معاً.
إذا كان التعويض الكامل هو السياسة التي اعتمدتها الحكومة في مشروع سكة حديد العقبة، فيجب أن نعرف:
هل هذه قاعدة عامة؟
وإذا كانت كذلك، فلماذا لا تعلن الحكومة ذلك صراحة؟
وإذا لم تكن كذلك، فما هو الأساس القانوني الذي يميز أصحاب هذه الأراضي عن أصحاب تلك الأراضي؟
هل اختلاف المشروع يكفي؟
هل اختلاف الجهة المستملكة يكفي؟
هل اختلاف تاريخ الاستملاك يكفي؟
أم أن هناك معياراً موضوعياً واضحاً يمكن للمواطن أن يفهمه ويحتكم إليه؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً قانونياً.
لأن المواطن الذي ستدخل السكة الحديدية في أرضه بعد خمس سنوات لا يستطيع أن ينتظر خمس سنوات أخرى حتى تعرف الحكومة ماذا تريد.
حقه يجب أن يكون معروفاً قبل أن تبدأ أعمال المشروع.
المصلحة العامة ليست شيكاً على بياض
نعم، المصلحة العامة مبرر مشروع للاستملاك.
لكن عبارة "المصلحة العامة" ليست شيكاً على بياض تسحبه الإدارة من حساب المواطن كلما احتاجت إلى أرض لتنفيذ مشروع.
المصلحة العامة تبرر نزع الملكية في الحدود التي يسمح بها القانون.
لكنها لا تلغي حق المواطن في التعويض العادل.
والأهم من ذلك أنها لا تبرر أن تكون تكلفة المشروع الوطني محمولة على مواطن بعينه أكثر مما يتحملها غيره.
إذا كانت الدولة تريد إنشاء سكة حديد لخدمة الاقتصاد الوطني، فإن كلفة إنشاء هذه السكة يجب أن تكون جزءاً من كلفة المشروع.
لا أن تتحول ملكية المواطن إلى مصدر تمويل غير معلن للمشروع.
وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط الحديث عن أهمية السكك الحديدية.
نحن مع السكة... ولكن لسنا مع أن يدفع المواطن ثمنها من ملكيته
من السهل جداً أن يُتهم كل من يعترض على طريقة الاستملاك بأنه ضد التنمية.
وهذه أسهل حيلة في النقاش العام.
لكن الحقيقة مختلفة.
يمكن أن تكون مع سكة الحديد، ومع الاستثمار، ومع الموانئ، ومع الصناعة، ومع الربط الإقليمي، ومع كل مشروع وطني كبير...
وفي الوقت نفسه تقول:
لا تأخذوا ملكية المواطن إلا وفق قاعدة عادلة وواضحة ومتكافئة.
لا تناقض في ذلك.
بل إن حماية الملكية الخاصة جزء من البيئة التي تحتاجها التنمية أصلاً.
فالمستثمر الذي لا يثق بحماية الملكية لن يستثمر.
والمواطن الذي لا يثق بأن القانون يحمي أرضه لن يشعر أن دولة القانون تعمل لمصلحته.
والتشريع الذي يتغير تحت ضغط الأزمة لن يبني ثقة مستقرة.
المطلوب الآن ليس بياناً جديداً
لا نحتاج إلى بيان حكومي جديد يشرح أن الحكومة حريصة على المواطنين.
سمعنا ذلك كثيراً.
ولا نحتاج إلى خطاب جديد عن أهمية المشروع.
نعرف أهمية المشاريع.
المطلوب أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
قاعدة قانونية واضحة.
قاعدة تقول لجميع الأردنيين:
إذا استملكت الدولة أرضك لمشروع سكة حديد، فهذه حقوقك.
وهذا مقدار تعويضك.
وهذه آلية تقديره.
وهذا حقك في المبادلة.
وهذه حقوقك عن المنشآت والمزروعات والأضرار التي تصيب الجزء المتبقي.
وهذه هي القاعدة التي ستطبق عليك كما ستطبق على غيرك.
لا استثناءات. لا مفاجآت. لا حاجة لرفع الصوت.
وأخيراً... من كان على حق؟
ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجاً للحكومة هو:
إذا كان موقفها الأول صحيحاً، فلماذا تراجعت؟
وإذا كان موقفها الأخير هو الصحيح، فلماذا لم تبدأ به؟
وإذا كان كلا الموقفين صحيحاً، فما هو معيار التفريق بينهما؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات.
ولا يمكن دفنها تحت عنوان "المصلحة العامة".
فالسلطة التنفيذية عندما تقترح تعديلاً تشريعياً تمس آثاره حق الملكية، عليها أن تكون قادرة على تفسير لماذا اقترحت هذا النص، وما أثره، ولماذا اختارت هذه المعالجة دون غيرها.
ومجلس النواب بدوره مطالب ألا يسمح بأن يتحول دوره إلى مجرد محطة إجرائية.
فالمجلس ليس مكتب تصديق.
والنائب ليس موظف استقبال لمشاريع الحكومة.
دوره أن يسأل، وأن يعترض، وأن يعدل، وأن يحمي التوازن بين حق الدولة في تنفيذ مشاريعها وحق المواطن في ملكيته.
وإذا كان اعتراض النواب قد ساهم في الوصول إلى معالجة أكثر عدلاً، فهذه ليست هزيمة للحكومة.
هذه هي وظيفة الرقابة والتشريع.
الهزيمة الحقيقية هي أن تضطر الحكومة إلى الانتظار حتى يغضب الشارع لكي تكتشف ما كان ينبغي أن تراه وهي تكتب مشروع القانون.
وفي الختام نقول نحن نريد سكة حديد.
ونريد اقتصاداً أقوى.
ونريد استثماراً وموانئ ومشاريع وطنية كبرى.
لكننا نريد معها دولة تعرف أن المواطن ليس تكلفة جانبية للمشروع.
إذا كانت الحكومة قد اختارت اليوم التعويض الكامل لأصحاب أراضي سكة حديد العقبة، فليكن ذلك بداية لتصحيح تشريعي شامل، لا نهاية لأزمة إعلامية.
ولتعلن الحكومة موقفها بوضوح:
هل التعويض الكامل مبدأ عام لكل مشاريع السكك الحديدية، أم معالجة استثنائية لمشروع العقبة؟
فإذا كان مبدأً عاماً، فليُطبق على الجميع.
وإذا كان استثناءً، فعليها أن تشرح لماذا.
لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث في دولة القانون ليس أن تخطئ الحكومة.
بل أن يصبح الحق بحاجة إلى معركة حتى تحصل عليه.
وأسوأ من ذلك أن يصبح المواطن مضطراً إلى رفع صوته كي يسمعه القانون.
نحن لا نريد عدالةً تُمنح لمن يرفع صوته.
نريد قانوناً يسمع المواطن قبل أن يرفع صوته.
وهنا بالضبط يبدأ الفرق بين حكومة تدير الأزمات، وحكومة تدير دولة.
لم تكن المشكلة يوماً في أن تنفذ الدولة مشروعاً وطنياً، ولا في أن تمد يدها إلى ملكية خاصة لتحقيق منفعة عامة. فالدولة، في إطار القانون، تملك أدوات الاستملاك اللازمة لتنفيذ مشاريعها، والمواطن يدرك أن الملكية الخاصة ليست حقاً معزولاً عن المصلحة العامة.
لكن الدولة، في المقابل، لا تستطيع أن تجعل المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة التنمية.
وهنا تحديداً تكمن مشكلة الربع القانوني في مشاريع السكك الحديدية.
فالحكومة هي التي تقدمت بمشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية لسنة 2026، وهو مشروع قالت الجهات النيابية الرسمية إنه يأتي لتطوير المنظومة التشريعية العقارية وتعزيز حماية حقوق الملكية.
لكن عندما وصل النقاش إلى مسألة إدخال السكك الحديدية في الإطار القانوني المرتبط بالطريق وما قد يترتب على ذلك من آثار على ملكية المواطنين، ظهرت اعتراضات نيابية واضحة.
وهنا لم يكن النواب يعترضون على سكة الحديد.
ولم يكونوا ضد التنمية.
ولم يكونوا ضد مشاريع الدولة.
كان السؤال الذي طرح نفسه أكثر بساطة وأكثر جوهرية:
لماذا يتحمل صاحب الأرض جزءاً من تكلفة مشروع عام من ملكيته الخاصة؟
هذا السؤال كان يجب أن يكون حاضراً على طاولة الحكومة قبل أن يصل مشروع القانون إلى مجلس الأمة، لا بعد أن يتحول إلى قضية رأي عام.
فالتشريع الجيد لا يبدأ بالأزمة ثم يبحث عن حل لها.
التشريع الجيد يمنع الأزمة قبل أن تقع.
وهنا تحديداً يبدأ السؤال عن التخبط الحكومي.
من اقتراح الربع إلى التعويض الكامل... ماذا حدث؟
الحكومة التي تقدمت بالتعديل، ثم واجهت اعتراضات نيابية وشعبية على آثاره المحتملة، عادت اليوم لتقرر بالنسبة لأراضي مشروع سكة حديد العقبة معالجة تقوم على التعويض الكامل أو المبادلة.
وليس في التعويض الكامل ما يزعج.
بل على العكس، إذا كان هذا هو الحل الذي يحفظ حقوق أصحاب الأراضي، فهو محل ترحيب.
لكن المشكلة ليست في النتيجة.
المشكلة في الطريق الذي أوصل إليها.
فإذا كان التعويض الكامل هو الحل العادل، فلماذا احتاج الأمر إلى كل هذا الاشتباك التشريعي والسياسي حتى تصل الحكومة إليه؟
وإذا كان الربع القانوني هو الحل العادل، فلماذا تراجعت عنه الحكومة في هذا المشروع؟
وإذا كانت لكل مشروع ظروفه الخاصة، فأين هي القاعدة التي تضمن للمواطن أن حقوقه لن تتغير عندما تمر السكة الحديدية في أرضه غداً؟
هذه ليست أسئلة للمزايدة.
هذه أسئلة يجب أن تجيب عنها الحكومة بمنطق القانون لا بمنطق البيان الصحفي.
المشكلة الأخطر: هل أصبحت العدالة مرتبطة بحجم الصوت؟
هنا نصل إلى جوهر القضية.
إذا احتج أصحاب الأراضي، وارتفع صوتهم، وتحرك النواب، وأصبحت القضية حاضرة في الرأي العام، فتتدخل الحكومة وتقرر التعويض الكامل.
ماذا عن المواطن الذي لا يملك القدرة على تحريك الرأي العام؟
ماذا عن صاحب الأرض الذي سيكتشف بعد سنوات أن مشروعاً للسكك الحديدية سيمر في أرضه؟
ماذا عن أصحاب الأراضي الواقعة على مسارات مشاريع أخرى؟
هل سيحصلون على المعاملة نفسها؟
هل سيكون التعويض كاملاً؟
هل ستكون المبادلة متاحة؟
هل ستكون هناك أراضٍ بديلة؟
أم أن الأمر سيخضع للنص الذي كانت الحكومة تدافع عنه قبل أن تتراجع؟
هنا لا نتحدث عن سكة حديد واحدة. نتحدث عن مبدأ.
فإذا كانت الدولة قد اكتشفت أن تطبيق الربع القانوني في مشاريع السكك الحديدية يمس عدالة التعويض، فإن معالجة الأمر يجب ألا تكون مرتبطة بمشروع العقبة وحده.
وإذا كانت قد اكتشفت أن الربع القانوني لا يزال صحيحاً في بعض الحالات، فعليها أن تشرح للرأي العام ما هو معيار التمييز بين الحالات.
أما ترك المسألة معلقة، فمعناه أن المواطن لا يعرف اليوم ماذا سيحدث لملكيته عندما تدخل في مسار مشروع مستقبلي.
وهذا أمر لا يجوز في دولة القانون.
لا يجوز أن يكون للمواطن "المحظوظ" حق، وللمواطن الصامت نص
الحقوق لا تتجزأ بحسب القدرة على الاحتجاج.
ولا يجوز أن يصبح القانون أكثر سخاءً مع المواطن الذي نجح في إيصال صوته إلى الإعلام، وأقل سخاءً مع المواطن الذي لم يعرف بعد أن أرضه ستكون جزءاً من مشروع مستقبلي.
الدولة لا تقيس الحقوق بعدد المتظاهرين أمام أبوابها.
ولا ينبغي أن يكون معيار العدالة هو مقدار الضجيج الذي يصنعه صاحب الحق.
لأننا إذا قبلنا بهذه القاعدة، فإننا نؤسس لسابقة خطيرة:
من يحتج يحصل على معالجة.
ومن لا يحتج يلتزم بالنص.
وهذا يقلب مفهوم دولة القانون رأساً على عقب.
القانون يفترض أن يحمي الجميع قبل أن تبدأ الخصومة، لا أن يبدأ في حماية صاحب الحق بعد أن تتحول قضيته إلى قضية رأي عام.
والحكومة هنا لم تربك المواطن فقط... بل أحرجت مجلس النواب
هناك جانب آخر لا ينبغي تجاهله.
مجلس النواب ليس جهة لتسجيل القرارات الحكومية.
والحكومة ليست جهة فوق النقاش البرلماني.
الدستور جعل لكل سلطة دوراً، وجعل التشريع عملية تشاركية تقوم على النقاش والمراجعة والتعديل.
بل إن رئيس اللجنة القانونية النيابية أكد أن مناقشة مشاريع القوانين لا تهدف إلى مجرد إقرارها، وإنما إلى تجويدها وتطوير نصوصها وتحقيق توازن بين متطلبات المرحلة وحقوق المواطنين.
فماذا حدث عندما اعترض النواب؟
بدلاً من أن تكون ملاحظاتهم فرصة لمراجعة النص بهدوء، أصبح المشهد وكأن مجلس النواب هو الطرف الذي يقف في طريق مشروع وطني.
ثم جاءت الحكومة لاحقاً لتقدم حلاً يقترب من جوهر المخاوف التي أثارها النواب.
وهنا لا بد من قولها بصراحة:
الحكومة لم تطعن المواطن فقط في ملكيته.
لقد طعنت النواب في الخاصرة.
وضعتهم أمام الرأي العام في موقع من يعارض أو يعطل، ثم عادت هي نفسها لتتراجع عن الموقف الذي دافع عنه النواب.
فكيف سيقف النائب غداً أمام المواطن ليشرح له موقفه؟
وكيف ستقنع الحكومة الناس بأن اعتراض النواب على التشريع كان عرقلة، إذا كانت هي نفسها قد انتهت إلى معالجة تؤكد جوهر اعتراضهم؟
التراجع فضيلة... لكن الاعتراف بالخطأ فضيلة أكبر
ليس عيباً أن تتراجع الحكومة.
بل العيب أن تتمسك بخطأ واضح لمجرد أنها سبق أن تبنته.
لكن التراجع المسؤول يحتاج إلى شجاعة سياسية.
أن تقول الحكومة:
نعم، راجعنا موقفنا. نعم، تبين لنا أن هناك آثاراً تحتاج إلى معالجة. نعم، سنضع قاعدة عامة تحمي حقوق جميع المواطنين.
هذا هو التصحيح الحقيقي.
أما أن يتم حل مشكلة مشروع واحد، ثم تترك بقية المشاريع معلقة، فهذا ليس إصلاحاً للتشريع.
إنه تسكين للأزمة.
والفرق بين الإصلاح وتسكين الأزمة كبير.
الإصلاح يضع قاعدة تستمر بعد انتهاء الخبر.
أما التسكين فينتهي بانتهاء الخبر.
أين حقوق أصحاب الأراضي في مشاريع السكك الحديدية الأخرى؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن ينتقل الآن من الشارع إلى مجلس الوزراء ومجلس النواب معاً.
إذا كان التعويض الكامل هو السياسة التي اعتمدتها الحكومة في مشروع سكة حديد العقبة، فيجب أن نعرف:
هل هذه قاعدة عامة؟
وإذا كانت كذلك، فلماذا لا تعلن الحكومة ذلك صراحة؟
وإذا لم تكن كذلك، فما هو الأساس القانوني الذي يميز أصحاب هذه الأراضي عن أصحاب تلك الأراضي؟
هل اختلاف المشروع يكفي؟
هل اختلاف الجهة المستملكة يكفي؟
هل اختلاف تاريخ الاستملاك يكفي؟
أم أن هناك معياراً موضوعياً واضحاً يمكن للمواطن أن يفهمه ويحتكم إليه؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً قانونياً.
لأن المواطن الذي ستدخل السكة الحديدية في أرضه بعد خمس سنوات لا يستطيع أن ينتظر خمس سنوات أخرى حتى تعرف الحكومة ماذا تريد.
حقه يجب أن يكون معروفاً قبل أن تبدأ أعمال المشروع.
المصلحة العامة ليست شيكاً على بياض
نعم، المصلحة العامة مبرر مشروع للاستملاك.
لكن عبارة "المصلحة العامة" ليست شيكاً على بياض تسحبه الإدارة من حساب المواطن كلما احتاجت إلى أرض لتنفيذ مشروع.
المصلحة العامة تبرر نزع الملكية في الحدود التي يسمح بها القانون.
لكنها لا تلغي حق المواطن في التعويض العادل.
والأهم من ذلك أنها لا تبرر أن تكون تكلفة المشروع الوطني محمولة على مواطن بعينه أكثر مما يتحملها غيره.
إذا كانت الدولة تريد إنشاء سكة حديد لخدمة الاقتصاد الوطني، فإن كلفة إنشاء هذه السكة يجب أن تكون جزءاً من كلفة المشروع.
لا أن تتحول ملكية المواطن إلى مصدر تمويل غير معلن للمشروع.
وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط الحديث عن أهمية السكك الحديدية.
نحن مع السكة... ولكن لسنا مع أن يدفع المواطن ثمنها من ملكيته
من السهل جداً أن يُتهم كل من يعترض على طريقة الاستملاك بأنه ضد التنمية.
وهذه أسهل حيلة في النقاش العام.
لكن الحقيقة مختلفة.
يمكن أن تكون مع سكة الحديد، ومع الاستثمار، ومع الموانئ، ومع الصناعة، ومع الربط الإقليمي، ومع كل مشروع وطني كبير...
وفي الوقت نفسه تقول:
لا تأخذوا ملكية المواطن إلا وفق قاعدة عادلة وواضحة ومتكافئة.
لا تناقض في ذلك.
بل إن حماية الملكية الخاصة جزء من البيئة التي تحتاجها التنمية أصلاً.
فالمستثمر الذي لا يثق بحماية الملكية لن يستثمر.
والمواطن الذي لا يثق بأن القانون يحمي أرضه لن يشعر أن دولة القانون تعمل لمصلحته.
والتشريع الذي يتغير تحت ضغط الأزمة لن يبني ثقة مستقرة.
المطلوب الآن ليس بياناً جديداً
لا نحتاج إلى بيان حكومي جديد يشرح أن الحكومة حريصة على المواطنين.
سمعنا ذلك كثيراً.
ولا نحتاج إلى خطاب جديد عن أهمية المشروع.
نعرف أهمية المشاريع.
المطلوب أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
قاعدة قانونية واضحة.
قاعدة تقول لجميع الأردنيين:
إذا استملكت الدولة أرضك لمشروع سكة حديد، فهذه حقوقك.
وهذا مقدار تعويضك.
وهذه آلية تقديره.
وهذا حقك في المبادلة.
وهذه حقوقك عن المنشآت والمزروعات والأضرار التي تصيب الجزء المتبقي.
وهذه هي القاعدة التي ستطبق عليك كما ستطبق على غيرك.
لا استثناءات. لا مفاجآت. لا حاجة لرفع الصوت.
وأخيراً... من كان على حق؟
ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجاً للحكومة هو:
إذا كان موقفها الأول صحيحاً، فلماذا تراجعت؟
وإذا كان موقفها الأخير هو الصحيح، فلماذا لم تبدأ به؟
وإذا كان كلا الموقفين صحيحاً، فما هو معيار التفريق بينهما؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات.
ولا يمكن دفنها تحت عنوان "المصلحة العامة".
فالسلطة التنفيذية عندما تقترح تعديلاً تشريعياً تمس آثاره حق الملكية، عليها أن تكون قادرة على تفسير لماذا اقترحت هذا النص، وما أثره، ولماذا اختارت هذه المعالجة دون غيرها.
ومجلس النواب بدوره مطالب ألا يسمح بأن يتحول دوره إلى مجرد محطة إجرائية.
فالمجلس ليس مكتب تصديق.
والنائب ليس موظف استقبال لمشاريع الحكومة.
دوره أن يسأل، وأن يعترض، وأن يعدل، وأن يحمي التوازن بين حق الدولة في تنفيذ مشاريعها وحق المواطن في ملكيته.
وإذا كان اعتراض النواب قد ساهم في الوصول إلى معالجة أكثر عدلاً، فهذه ليست هزيمة للحكومة.
هذه هي وظيفة الرقابة والتشريع.
الهزيمة الحقيقية هي أن تضطر الحكومة إلى الانتظار حتى يغضب الشارع لكي تكتشف ما كان ينبغي أن تراه وهي تكتب مشروع القانون.
وفي الختام نقول نحن نريد سكة حديد.
ونريد اقتصاداً أقوى.
ونريد استثماراً وموانئ ومشاريع وطنية كبرى.
لكننا نريد معها دولة تعرف أن المواطن ليس تكلفة جانبية للمشروع.
إذا كانت الحكومة قد اختارت اليوم التعويض الكامل لأصحاب أراضي سكة حديد العقبة، فليكن ذلك بداية لتصحيح تشريعي شامل، لا نهاية لأزمة إعلامية.
ولتعلن الحكومة موقفها بوضوح:
هل التعويض الكامل مبدأ عام لكل مشاريع السكك الحديدية، أم معالجة استثنائية لمشروع العقبة؟
فإذا كان مبدأً عاماً، فليُطبق على الجميع.
وإذا كان استثناءً، فعليها أن تشرح لماذا.
لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث في دولة القانون ليس أن تخطئ الحكومة.
بل أن يصبح الحق بحاجة إلى معركة حتى تحصل عليه.
وأسوأ من ذلك أن يصبح المواطن مضطراً إلى رفع صوته كي يسمعه القانون.
نحن لا نريد عدالةً تُمنح لمن يرفع صوته.
نريد قانوناً يسمع المواطن قبل أن يرفع صوته.
وهنا بالضبط يبدأ الفرق بين حكومة تدير الأزمات، وحكومة تدير دولة.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات