د. أسامة عبيدات يكتب: تصنيف المدارس الخاصة: نحو منظومة وطنية للجودة والمساءلة التعليمية

منذ 23 ساعة
المشاهدات : 25648
 د. أسامة عبيدات يكتب: تصنيف المدارس الخاصة: نحو منظومة وطنية للجودة والمساءلة التعليمية
د. أسامة عبيدات

د. أسامة عبيدات

يمثل مشروع نظام تصنيف المؤسسات التعليمية الخاصة خطوة إصلاحية مهمة طال انتظارها في الأردن، ويمكن أن يشكل نقلة نوعية في طريقة تعامل الدولة والمجتمع مع جودة التعليم الخاص. فهو يوفر إطاراً وطنياً أكثر وضوحاً للحكم على أداء المدارس، ويعزز الشفافية والمساءلة، ويمنح أولياء الأمور معلومات أكثر موضوعية عند اختيار المدارس لأبنائهم، كما يوفر للدولة أداة مهنية لمتابعة جودة التعليم وتحديد مواطن القوة والضعف وتوجيه جهود التحسين.

لكن قيمة أي نظام للتصنيف لا تتحدد بعدد المدارس التي سيضعها في الفئة الأولى أو السادسة، ولا بعدد المؤشرات التي سيقيسها، وإنما بالسؤال الجوهري: ماذا نريد أن نعرف عندما نقيم المدرسة، وماذا سنفعل بهذه المعرفة بعد ذلك؟
هذا السؤال، في تقديري، ينبغي أن يحكم النقاش حول النظام المقترح.

فالتعليم الخاص أصبح جزءاً أساسياً من منظومة التعليم الوطنية، مع تفاوت واضح بين المدارس في مستوى الأداء وجودة التعليم. فهناك مدارس تقدم مستويات متميزة وتحقق نتائج لافتة محلياً ودولياً، في حين تواجه مدارس أخرى تحديات حقيقية في جوانب مختلفة من أدائها.

وفي ظل الارتفاع المستمر في الرسوم المدرسية، لم يعد كافياً أن تعتمد الأسرة على السمعة أو التوصيات أو الحملات التسويقية عند اختيار المدرسة؛ بل أصبح من حقها أن تعرف بصورة أكثر وضوحاً ماذا تحصل عليه مقابل ما تدفعه.

ومن هنا تبدو فكرة التصنيف منطقية ومطلوبة. لكن المطلوب ليس مجرد نظام يمنح المدارس درجات أو يضعها في فئات، وإنما منظومة وطنية للجودة تجعل التقييم مدخلاً للتحسين، والمساءلة وسيلة لحماية حق الطالب في تعليم جيد.

وهذه مسألة أستند في تقديرها إلى تجربة مهنية مباشرة. فقد شاركت منذ عام 2009 في لجان تقييم أداء المدارس الخاصة في أبوظبي ثم انتقلت إلى هناك للعمل مديراً لإدارة التقييم المدرسي في مجلس أبوظبي للتعليم خلال الفترة 2013-2019، وكانت الإدارة معنية بتقييم أداء وجودة المدارس الخاصة، ثم المدارس الحكومية في الإمارة.

وقد أظهرت تلك التجربة أن بناء نظام موثوق لتقييم المدارس لا يبدأ من تصنيفها، وإنما من بناء الثقة في الطريقة التي سيصدر بها الحكم عليها.

في السنوات الأولى، كان التركيز بدرجة أكبر على جوانب الالتزام والمتطلبات التنظيمية، خصوصاً أن نسبة كبيرة من المدارس كانت تعمل في مبانٍ لم تُنشأ أصلاً لأغراض تعليمية، فيما كان يعرف بـ«مدارس الفلل». ثم تطورت التجربة تدريجياً من التأكد من الالتزام بالمتطلبات التنظيمية إلى التركيز بصورة أكبر على جودة التعليم وفاعلية المدرسة.

وفي بداية عام 2013، صدرت اللائحة التنظيمية للمدارس الخاصة في الإمارة بتوقيع سمو الشيخ محمد بن زايد، بصفته رئيساً للمجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي آنذاك، وهو ما منح مسار تنظيم التعليم الخاص والتقييم المدرسي دعماً مؤسسياً قوياً.

وعند انتهاء دورة التقييم الثانية في مايو 2013، نُشرت تقارير أداء المدارس الخاصة للمرة الأولى في الإمارة، وكانت تلك خطوة مهمة في تعزيز الشفافية والمساءلة. لكن الدرس الأهم لم يكن في نشر النتائج، وإنما في ما سبق هذا النشر.

فقد سبقت النتائج المنشورة دورة تقييم كاملة لم تُعلن نتائجها، واستخدمت كمرحلة تجريبية لاختبار الإطار والمعايير وأدوات التقييم، وبناء قدرات المقيمين، ومراجعة النتائج، والتأكد من اتساقها وموثوقيتها قبل أن تصبح متاحة للجمهور.
وهذا درس جوهري للأردن: إن الثقة في التصنيف لا تُبنى عند إعلان النتائج؛ بل تُبنى قبل ذلك بكثير، داخل المعايير والأدوات والممارسات التي أنتجت تلك النتائج.

وكلما كانت المعايير واضحة وعادلة، والأدوات موثوقة، والمقيمون مؤهلين، وآليات المراجعة والتظلم واضحة، ازدادت ثقة المدارس والأسر بالنظام. وعندها يصبح التقييم أداة للتحسين والمساءلة في آن واحد، لا مجرد حكم تصنيفي على المدرسة.

وعند قراءة مسودة النظام الأردني، نجد أن التصنيف سيستند إلى ستة مجالات رئيسية: جودة التعليم، والبيئة المدرسية، والموارد البشرية، والابتكار والريادة والإبداع، والقيادة والإدارة، والشراكة المجتمعية. ولا خلاف على أهمية هذه المجالات، لكن المسألة الأهم ليست في عناوينها، وإنما في الكيفية التي ستترجم بها إلى مؤشرات، والأوزان التي ستمنح لها، والعلاقة بينها وبين الغاية الأساسية للعملية التعليمية.

فبعض هذه المجالات متداخل بطبيعته؛ إذ إن جودة الموارد البشرية، والابتكار، والشراكة المجتمعية قد تكون، في جانب منها، متضمنه و جزء من معيار القيادة والإدارة. كما أن عدداً من المعايير المقترحة يركز على المدخلات والعمليات والممارسات المؤسسية أكثر مما يركز على النتاجات التي تحققها المدرسة في تعلم طلبتها.

وهنا ينبغي أن نطرح السؤال الذي يجب ألا يضيع وسط التفاصيل الفنية: ماذا عن التعلم نفسه؟

فالمدرسة ليست جيدة لأنها تمتلك خططاً كثيرة، أو أنظمة إدارية متطورة، أو مبنى جيداً، أو برامج متنوعة. هذه كلها مهمة، لكنها تظل وسائل و مدخلات. والغاية في النهاية هي أن يتعلم الطالب وينمو و يصبح مواطن صالح.

ما مقدار التقدم الذي يحققه الطلبة من عام إلى آخر؟ ما مستوى نموهم في القراءة والرياضيات والعلوم؟ هل تتطور لديهم مهارات التفكير وحل المشكلات والتواصل؟ كيف يتطور نموهم الاجتماعي والانفعالي؟ وهل تساعدهم المدرسة على بناء قيم المواطنة والمسؤولية والانتماء والاستعداد للحياة والعمل؟

هذه الأسئلة تقودنا إلى جوهر جودة المدرسة.

وبالطبع، لا يمكن تحميل المدرسة مسؤولية كل نتيجة يحققها الطالب بمعزل عن خلفيته الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية وظروفه الشخصية. لكن هذا لا يعني أن نتاجات التعلم يمكن أن تغيب عن الحكم على جودة المدرسة و تصنيفها. فالفرق كبير بين أن نقيس ما تملكه المدرسة وما تفعله، وبين أن نقيس، إلى جانب ذلك، ما الذي تضيفه المدرسة فعلياً إلى تعلم الطالب ونموه.

وهذه من أهم القضايا التي ينبغي أن تحسمها التعليمات التنفيذية التي ستحدد المؤشرات التفصيلية والأوزان وآليات التقييم. فالمسودة تضع الإطار العام، لكن التفاصيل هي التي ستحدد طبيعة النظام في التطبيق: هل سيكون نظاماً يقيس الامتثال والعمليات المؤسسية بدرجة أكبر، أم نظاماً يجعل تعلم الطلبة وفاعلية المدرسة في صميم الحكم عليها؟

ومن جانب آخر، ينبغي التفكير منذ البداية في الآثار التي ستترتب على إعلان نتائج التصنيف. فعندما توضع المدارس في ست فئات، فإن النتيجة ستؤثر بالضرورة في قرارات أولياء الأمور. فإذا كان ولي الأمر يدفع، على سبيل المثال، خمسة آلاف دينار سنوياً لتعليم أبنائه، ثم اكتشف أن المدرسة مصنفة ضمن فئة متوسطة أو متدنية، فمن الطبيعي أن يسأل عما إذا كانت القيمة التعليمية التي يحصل عليها أبناؤه تتناسب مع ما يدفعه، وقد يفكر في الانتقال إلى مدرسة أخرى أو إلى التعليم الحكومي.

وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بالمدرسة وحدها.

إذا حدثت حركة انتقال واسعة من المدارس الخاصة إلى المدارس الحكومية، فهل تمتلك المدارس الحكومية القدرة على استيعاب أعداد إضافية من الطلبة؟ وما الآثار التي قد تترتب على ذلك في البنية التحتية والكوادر التعليمية والموارد المالية وجودة التعليم؟

هذه ليست أسئلة يمكن تأجيلها إلى ما بعد التطبيق، بل جزء من تصميم السياسة نفسها. فالسياسة التعليمية الجيدة لا تكتفي بتحديد ما ينبغي أن يحدث، وإنما تستشرف أيضاً ما قد يحدث عندما يدخل القرار حيز التنفيذ.

ولهذا فإن المرحلة التجريبية لا ينبغي أن تكون مجرد فرصة لاختبار أدوات التقييم، وإنما فرصة لاختبار النظام نفسه: كيف ستتفاعل المدارس معه؟ كيف ستفهمه الأسر؟ هل ينتج نتائج مستقرة وعادلة؟ وهل تترتب عليه آثار جانبية تحتاج إلى معالجة قبل التوسع في التطبيق؟

كما أن نجاح النظام يتطلب إشراكاً واسعاً للمدارس الخاصة في تطوير تفاصيله التنفيذية. ولا يعني ذلك أن تتنازل الدولة عن مسؤوليتها في وضع معايير الجودة أو مساءلة المؤسسات التعليمية، وإنما يعني أن النظام الأقوى هو الذي يستمع إلى القطاع الذي سيطبقه ويفهم تنوع مدارسه واختلاف ظروفها. فالمدارس الخاصة ليست كتلة واحدة.

هناك مدارس ذات رسوم مرتفعة وإمكانات كبيرة، وأخرى متوسطة، ومدارس تعمل في بيئات اجتماعية واقتصادية مختلفة. والعدالة في التقييم لا تعني تخفيف المعايير، وإنما تعني وضوحها، واتساق تطبيقها، ومراعاة السياق الذي تعمل فيه المدرسة، دون أن يتحول السياق إلى ذريعة لخفض التوقعات.

وهناك تحدٍ عملي آخر يتعلق بعملية التقييم نفسها: من سيقوم بزيارة المدارس وتقييمها؟ وما حجم الموارد البشرية والمالية اللازمة لتنفيذ زيارات دورية لآلاف المدارس؟ وكيف سيتم ضمان اتساق الأحكام بين المقيمين؟ وما الآلية التي ستضمن استقلالية التقييم ومهنيته؟

إن بناء جهاز تقييم وطني موثوق يتطلب كوادر مؤهلة، وتدريباً مستمراً، وأدوات واضحة، وآليات لضبط الجودة والمراجعة والتظلم. ومن هنا يبرز سؤال مؤسسي مهم: هل ستتولى الوزارة هذه المهمة مباشرة، أم سيتم الاستعانة بجهة أكثر استقلالاً أو بخبرات خارجية كما هو معمول به في بعض الأنظمة التعليمية الأخرى؟

فمصداقية التصنيف ستتوقف، إلى حد كبير، على مصداقية الجهة التي تقف وراءه.

لكن ربما يكون السؤال الأصعب في النظام كله ليس كيف سنصنف المدارس، وإنما ماذا سنفعل بعد أن نعرف النتائج؟
هذه المسألة اكتسبت أهمية خاصة من خلال تجربة أبوظبي. فبعد عدة دورات تقييم، استمرت بعض المدارس في تحقيق نتائج ضعيفة رغم برامج الدعم والتحسين المكثفة التي قدمتها الحكومة.

وقد استثمرت الجهات المختصة مبالغ كبيرة لمساعدتها على التطور، إلا أن بعض تلك المدارس لم تتمكن، رغم الدعم والمتابعة، من تحقيق التحسن المطلوب، ما أدى في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرارات وصلت إلى حد الاغلاق حمايةً لمصلحة الطلبة، لا بل وصل الأمر الى منع تسجيل اي طالب إماراتي في مدرسة خاصة تصنيفها أقل من جيد.

وهنا يبرز أمام صانع القرار الأردني سؤال لا يقل أهمية عن سؤال التصنيف نفسه: إذا أظهر التقييم مستقبلاً أن بعض المدارس غير قادرة على التحسن رغم الدعم والمتابعة، فهل نمتلك منظومة واضحة لاتخاذ القرار الذي يحمي مصلحة الطلبة؟

فالتقييم الجاد لا ينتهي عند صدور التقرير؛ إنه يبدأ بالتشخيص، ثم يتبعه دعم وبناء قدرات وخطة تحسين، ثم متابعة وإعادة تقييم، ثم اتخاذ القرار المناسب إذا لم يتحقق التحسن.

والمساءلة هنا ليست نقيض الدعم، كما أن الدعم ليس بديلاً عن المساءلة. المنظومة الناجحة هي التي تجعل المساءلة محركاً للتحسين، وتجعل التحسين شرطاً لاستمرار المدرسة.

وهذا يتطلب أيضاً وضوحاً في السياسة الحكومية تجاه المدارس التي لا تستطيع تحسين أدائها، خصوصاً إذا كان إغلاق بعضها قد يؤدي إلى انتقال أعداد كبيرة من الطلبة إلى المدارس الحكومية. فالمشكلة ليست في قرار الإغلاق أو الإبقاء بحد ذاته، وإنما في قدرة الدولة على إدارة النتائج المترتبة على أي قرار تتخذه.

في تقديري، يمثل مشروع نظام تصنيف المؤسسات التعليمية الخاصة فرصة استراتيجية مهمة للأردن، لكنه سيكون أكثر أهمية إذا نظرنا إليه بوصفه جزءاً من إصلاح أوسع لثقافة الجودة في التعليم، وليس مجرد نظام جديد لتصنيف المدارس.

فالهدف ليس أن نعرف فقط أي مدرسة في الفئة الأولى وأيها في الفئة السادسة، وإنما أن نعرف لماذا وصلت المدرسة إلى هذا المستوى، وما الذي تحتاجه كي تتحسن، ومتى يصبح استمرار ضعف الأداء غير مقبول.

كما أن قيمة النظام ستتحدد بمدى قدرته على بناء ثقة عامة في الحكم على جودة التعليم. وهذه الثقة لن تأتي من النصوص وحدها، وإنما من عدالة المعايير، ومهنية التقييم، واستقلاليته، وشفافية نتائجه، واتساق تطبيقه، وقدرة الدولة على تحويل نتائجه إلى قرارات وبرامج تحسين حقيقية.

وفي تقديري، فإن نجاح المشروع ينبغي ألا يقاس بعدد المدارس التي جرى تقييمها، أو بعدد التقارير التي صدرت، أو حتى بتوزيع المدارس على الفئات الست. المعيار الحقيقي يجب أن يكون أبعد من ذلك:

هل أصبح التعليم الذي يتلقاه الطالب أفضل؟

إذا تحسن مستوى التدريس، وارتفع مستوى تعلم الطلبة، وأصبحت المدارس أكثر قدرة على معرفة نقاط ضعفها ومعالجتها، وأصبح ولي الأمر يمتلك معلومات أكثر صدقاً تساعده على اتخاذ قراره، عندها يكون النظام قد أدى وظيفته.

أما إذا أصبح التصنيف غاية في حد ذاته، وانشغلنا بالفئة التي تقع فيها المدرسة أكثر من انشغالنا بما يحدث داخل الغرفة الصفية، فإننا نكون قد نجحنا في بناء نظام لتصنيف المدارس، لكننا لم ننجح بالضرورة في بناء نظام لتحسين التعليم.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي إصلاح تربوي: ليس كيف يبدو النظام على الورق، وإنما ماذا يغيّر في حياة الطالب داخل المدرسة، وما الذي يتركه من أثر في مستقبله وفي المجتمع الذي ينتمي إليه.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم