أما قبل؛ فإنَّه ذات يوم جلس أحدهم إلى جانب صديقه؛ ليطرح عليه لغزاً من الألغاز الاجتماعيَّة العميقة، فقال له أجبني يا صديقي:
ما الفرق بين الغبي؟
نظر إليه صديقه باستغراب، وقال:
هذا ليس سؤالاً منطقياً؛ لأنه لا يحتوي على عنصر المقارنة!
فأجابه السائل: بل هو سؤال عميق!
احتار المسؤول طويلاً، وبعد تفكير عميق أعلن استسلامه وعجزه، فطلب من السائل أن يجيبه على حلِّ اللغز.
فأجابه السائل: "إللي بقرأ تاريخ كثير"!
قد تبدو الطرفة محيِّرة إلى حدٍّ يجعلها أُحجيةً غامضة؛ ولكنَّها -في الوقت ذاته- تكشف لنا الحكاية التي تربطنا بقراءة التاريخ! فالناس يظنُّون أنَّ القراءة تجعل الإنسان أكثر حكمةً ووعياً، بينما التاريخ نفسه يضحك من قارئيه منذ مئات السنين؛ لأنَّه الكتاب الوحيد الذي يقرأه الجميع ولا يتعلَّم منه أحد.
فكلُّ جيل يقرأ المجازر؛ فيظنُّ أنَّ ما قرأه بطولة..
وكلُّ جيل يقرأ انهيار الإمبراطوريات فيحلم ببناء إمبراطوريَّته الجديدة.
وكلُّ جيل يقرأ كيف أطاح الطغاة بالأمم؛ ثم يصفق لأول طاغية يمر أمامة، ولا أدري لماذا! ربما لأنَّ النفوس تتوق إلى أن تعيش أجواء الانتصار منذ زمن بعيد..
وأما بعد؛ فإننا في الحقيقة لا نقرأ التاريخ لنفهمه؛ على قدر ما نقرأه لنبحث فيه عن فقرة تمدح القبيلة التي ننتمي إليها، أو المذهب الذي ورثناه، أو الزعيم الذي نؤيده، فإذا قرأناه ولم نجد ما نبحث عنه أثناء المطالعة؛ فإننا نتهم المؤرخ بالخيانة! وإذا وجدناها وأرضَينَا فضولنا المهزوم؛ اعتبرناها حقيقة مقدَّسة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها! وفي تلكم الأحوال؛ لن يصبح التاريخ مدرسة، بل سيتحوَّل إلى متجر ضخم لبيع الأوهام بالتجزئة، بل إنَّ الأطرف من ذلك أننا سنكتشف أنَّ أكثر الناس حديثاً عن التاريخ هم أقلهم قدرة على صناعة المستقبل، فهم يحفظون أسماء المعارك؛ لكنهم يعجزون عن خوض معركة واحدة مع جاهل واحد، كما أنهم يعرفون تاريخ سقوط الدول؛ لكنهم يكررون الأسباب نفسها بحماس المناضلين، إضافة إلى أنهم يتحدثون عن الحضارات التي انهارت بسبب التعصب، ثم يغضبون إنِ اختلفَ معهم أحد في فكرة ما. وكأنَّ التاريخ بالنسبة إليهم ليس مرآة يرون فيها أنفسهم، على قدر ما يمثل شاشة يشاهدون عليها أخطاء الآخرين.
إنَّ المشكلة ليست في قراءة التاريخ؛ لكنَّ المشكلة الحقيقية في الطريقة التي نقرأه بها! فمن يقرأه ليعبد الماضي؛ فإنه سيصبح حارساً لمقبرة كبيرة، ومن يقرأه ليبرر الحاضر؛ فإنه سيكرر الكوارث نفسها مع تحديثات طفيفة، أما من يقرأه ليَنقُده؛ فهو الوحيد الذي يمنح المستقبل فرصة للنجاة والوصول إلى بر الأمان.
لذلك ربما كان الجواب الصحيح على ذلك السؤال الناقص هو أن الغبي ليس من يقرأ التاريخ كثيراً، لكنَّ الغبي الحقيقي من يقرأه كما يقرأ فاتورة قديمة دفعها رغم أنفه.. حفظ الأرقام والمطالبات المالية الموجودة فيها ولم يفهم الدرس من ورائها.
خلاصة القول: إنَّ التاريخ لا يعيد نفسه كما يقال، وإنما يعيد إنتاج الأغبياء الذين يصرون على تكراره! لذلك لم يعد يكفينا أن نبحث عن الأجوبة، بل إنَّ الحاجة أصبحت تلحُّ علينا أن نعيد ترتيب المعرفة وأن نتعلُّم فنَّ السؤال، فالأمم التي تنهض لا تعيش داخل سؤال واحد، لكنها تفتح جميع أبواب المقارنة والمراجعة والنقد، فضلاً عن أنها تمتلك الشجاعة لتفكيك المسلَّمات التي تؤمن بها قبل الدفاع عنها، أما نحن فإذا بقينا أسرى القوالب نفسها، وأوهمنا أنفسنا أنَّ ما ورثناه هو نهاية الحقيقة؛ فسنبقى غارقين! نبحث وندُور في حلقة مفرغة ومغلقة، نطرح الأسئلة الناقصة، وننتظر منها أجوبة كاملة، وفي النهاية لن يكون أمامنا إلا أن نردد السؤال الذي طرحه صديقنا السائل لصديقه المسؤول: ما الفرق بين الغبي.
الكاتب وليد معابرة
قاتل البحر الميت
ما الفرق بين الغبي؟
نظر إليه صديقه باستغراب، وقال:
هذا ليس سؤالاً منطقياً؛ لأنه لا يحتوي على عنصر المقارنة!
فأجابه السائل: بل هو سؤال عميق!
احتار المسؤول طويلاً، وبعد تفكير عميق أعلن استسلامه وعجزه، فطلب من السائل أن يجيبه على حلِّ اللغز.
فأجابه السائل: "إللي بقرأ تاريخ كثير"!
قد تبدو الطرفة محيِّرة إلى حدٍّ يجعلها أُحجيةً غامضة؛ ولكنَّها -في الوقت ذاته- تكشف لنا الحكاية التي تربطنا بقراءة التاريخ! فالناس يظنُّون أنَّ القراءة تجعل الإنسان أكثر حكمةً ووعياً، بينما التاريخ نفسه يضحك من قارئيه منذ مئات السنين؛ لأنَّه الكتاب الوحيد الذي يقرأه الجميع ولا يتعلَّم منه أحد.
فكلُّ جيل يقرأ المجازر؛ فيظنُّ أنَّ ما قرأه بطولة..
وكلُّ جيل يقرأ انهيار الإمبراطوريات فيحلم ببناء إمبراطوريَّته الجديدة.
وكلُّ جيل يقرأ كيف أطاح الطغاة بالأمم؛ ثم يصفق لأول طاغية يمر أمامة، ولا أدري لماذا! ربما لأنَّ النفوس تتوق إلى أن تعيش أجواء الانتصار منذ زمن بعيد..
وأما بعد؛ فإننا في الحقيقة لا نقرأ التاريخ لنفهمه؛ على قدر ما نقرأه لنبحث فيه عن فقرة تمدح القبيلة التي ننتمي إليها، أو المذهب الذي ورثناه، أو الزعيم الذي نؤيده، فإذا قرأناه ولم نجد ما نبحث عنه أثناء المطالعة؛ فإننا نتهم المؤرخ بالخيانة! وإذا وجدناها وأرضَينَا فضولنا المهزوم؛ اعتبرناها حقيقة مقدَّسة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها! وفي تلكم الأحوال؛ لن يصبح التاريخ مدرسة، بل سيتحوَّل إلى متجر ضخم لبيع الأوهام بالتجزئة، بل إنَّ الأطرف من ذلك أننا سنكتشف أنَّ أكثر الناس حديثاً عن التاريخ هم أقلهم قدرة على صناعة المستقبل، فهم يحفظون أسماء المعارك؛ لكنهم يعجزون عن خوض معركة واحدة مع جاهل واحد، كما أنهم يعرفون تاريخ سقوط الدول؛ لكنهم يكررون الأسباب نفسها بحماس المناضلين، إضافة إلى أنهم يتحدثون عن الحضارات التي انهارت بسبب التعصب، ثم يغضبون إنِ اختلفَ معهم أحد في فكرة ما. وكأنَّ التاريخ بالنسبة إليهم ليس مرآة يرون فيها أنفسهم، على قدر ما يمثل شاشة يشاهدون عليها أخطاء الآخرين.
إنَّ المشكلة ليست في قراءة التاريخ؛ لكنَّ المشكلة الحقيقية في الطريقة التي نقرأه بها! فمن يقرأه ليعبد الماضي؛ فإنه سيصبح حارساً لمقبرة كبيرة، ومن يقرأه ليبرر الحاضر؛ فإنه سيكرر الكوارث نفسها مع تحديثات طفيفة، أما من يقرأه ليَنقُده؛ فهو الوحيد الذي يمنح المستقبل فرصة للنجاة والوصول إلى بر الأمان.
لذلك ربما كان الجواب الصحيح على ذلك السؤال الناقص هو أن الغبي ليس من يقرأ التاريخ كثيراً، لكنَّ الغبي الحقيقي من يقرأه كما يقرأ فاتورة قديمة دفعها رغم أنفه.. حفظ الأرقام والمطالبات المالية الموجودة فيها ولم يفهم الدرس من ورائها.
خلاصة القول: إنَّ التاريخ لا يعيد نفسه كما يقال، وإنما يعيد إنتاج الأغبياء الذين يصرون على تكراره! لذلك لم يعد يكفينا أن نبحث عن الأجوبة، بل إنَّ الحاجة أصبحت تلحُّ علينا أن نعيد ترتيب المعرفة وأن نتعلُّم فنَّ السؤال، فالأمم التي تنهض لا تعيش داخل سؤال واحد، لكنها تفتح جميع أبواب المقارنة والمراجعة والنقد، فضلاً عن أنها تمتلك الشجاعة لتفكيك المسلَّمات التي تؤمن بها قبل الدفاع عنها، أما نحن فإذا بقينا أسرى القوالب نفسها، وأوهمنا أنفسنا أنَّ ما ورثناه هو نهاية الحقيقة؛ فسنبقى غارقين! نبحث وندُور في حلقة مفرغة ومغلقة، نطرح الأسئلة الناقصة، وننتظر منها أجوبة كاملة، وفي النهاية لن يكون أمامنا إلا أن نردد السؤال الذي طرحه صديقنا السائل لصديقه المسؤول: ما الفرق بين الغبي.
الكاتب وليد معابرة
قاتل البحر الميت
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات