خطبة الجمعة بلغة الإشارة تجمع الصم بمسجد الشريف الحسين

منذ 36 دقيقة
المشاهدات : 23530
خطبة الجمعة بلغة الإشارة تجمع الصم بمسجد الشريف الحسين

سرايا - في مسجد اعتاد المصلون أن يتلقوا فيه خطبة الجمعة عبر بأسماعهم، تداخلت على المشهد لغة أخرى تنقل كلمات الخطيب لفاقدي نعمة السمع بحركة اليدين وتعابير الوجه؛ لغة فتحت باباً من التواصل أمام المصلين الصم، وأوصلت إليهم مضمون الخطبة دون أن تحول الإعاقة بينهم وبين بيوت الله.

ففي مسجد الشريف الحسين بن علي، وسط مدينة العقبة، لم تعد خطبة الجمعة مقتصرة على من يسمع كلمات الخطيب بأذنيه، إذ باتت الخطبة تُترجم بكل كلماتها الى لغة الإشارة، في مشهد يحمل دلالات إنسانية عميقة، ويؤكد أن الوصول إلى الرسالة الدينية حق للجميع بمن فيهم فاقدو حاسة السمع.

وقال مدير أوقاف العقبة فارس الجوازنة، إن ترجمة خطبة الجمعة بلغة الإشارة تأتي في إطار الحرص على إيصال الرسالة الدينية إلى جميع أفراد المجتمع، وإتاحة المجال أمام المصلين الصم للاستفادة من الخطبة ومضامينها، مؤكداً أن هذه الخطوة تعكس الاهتمام بهذه الفئة ودمجها في مختلف الأنشطة الدينية والمجتمعية.

وأضاف، إن توفير لغة الإشارة خلال الخطبة يمثل صورة من صور التيسير والتواصل، ويعزز حضور الأشخاص الصم ومشاركتهم في الحياة الدينية والاجتماعية، مشيراً إلى أهمية استمرار مثل هذه المبادرات وتطويرها بما يخدم احتياجاتهم.

ويقف مترجم لغة الإشارة مالك الرعود في المسجد، ليؤدي مهمة تتجاوز حدود الترجمة الحرفية للكلمات لينقل المعنى والإحساس والمغزى، ويحاول أن يجعل الخطبة تصل إلى المصلين الصم كما تصل إلى غيرهم.

يقول الرعود، إن مبادرة ترجمة خطبة الجمعة بلغة الإشارة بدأت عام 2019 بتنظيم من مديرية أوقاف العقبة، بهدف خدمة فئة الصم في المحافظة، مبيناً أن خطبة الجمعة بدأت تترجم في مسجد الشريف الحسين الذي يجمع الصم من مختلف مناطق العقبة وخارجها.

وأوضح أن الفكرة لاقت منذ انطلاقها تجاوباً كبيراً وارتياحاً واسعاً من المستفيدين، لافتاً إلى أن ردود الفعل الإيجابية التي يلمسها من المصلين تظهر مدى فهمهم واستيعابهم لمضمون الخطبة وما تتضمنه من رسائل وتوجيهات.

وأضاف، إن من أكثر المواقف التي تشجعه على الاستمرار، تلك النقاشات التي تدور بين المصلين الصم بعد انتهاء الخطبة، حيث يتبادلون الحديث حول الموضوعات التي تناولتها الخطبة، والتي تكون في كثير من الأحيان جديدة بالنسبة لهم ولم يسبق لهم التعرف إليها.

وقال الرعود، إن ترجمة الخطبة أسهمت في إكساب المصلين الصم الكثير من المعارف في الجوانب الدينية والاجتماعية والوطنية، خاصة أن موضوعات خطبة الجمعة تكون مدروسة ومحددة، وتحمل أهدافاً دينية ووطنية واجتماعية، وتتصل بالظروف والمستجدات التي يعيشها المجتمع والوطن.

وأكد أن هذا الأثر ينعكس بصورة واضحة في تفاعل المصلين من الصم وتجاوبهم، ورغبتهم المستمرة في الاستزادة من المعلومات، مبيناً أن الترجمة لا تنتهي بانتهاء الخطبة، وإنما تفتح في أحيان كثيرة باباً للنقاش والحوار بين المصلين.

وأشار إلى أن الخطبة موحدة في مختلف أرجاء المملكة، ويتم إرسال عناوينها مسبقاً للمترجمين للاطلاع عليها ومعرفة الموضوع الذي سيتم طرحه، مبيناً أن بعض الموضوعات تتطلب بحثاً أعمق واستعداداً أكبر كي تصل الفكرة إلى المصلين الصم بأفضل صورة ممكنة.

وبيّن الرعود أن لغة الإشارة ليست مجرد حركات باليد، بل هي وسيلة متكاملة للتواصل تحتاج إلى فهم المعنى والسياق وطريقة التعبير المناسبة، لافتاً إلى أن نقل الخطبة يتطلب الاستماع الجيد للخطيب ومتابعة تسلسل الأفكار، ثم تقديمها بلغة واضحة تراعي قدرة المتلقي على الفهم والاستيعاب.

ولم يتوقف أثر المبادرة عند حدود ترجمة الخطبة، بحسب الرعود، إذ أصبحت الخطبة المترجمة نقطة انطلاق لتجمع الصم في العقبة، موضحا أن المبادرة أسهمت في تأسيس جمعية للأشخاص الصم من الذكور والإناث، ليصل عددهم حالياً إلى أكثر من 150 شخصاً، يتشاركون اللقاءات الأسبوعية خلال صلاة الجمعة وبعدها.

ويقول الرعود، أصبح المسجد مقصداً معروفاً للأشخاص الصم على مستوى المملكة، إذ يقصده زوار وأشخاص صم من محافظات مختلفة لحضور الخطبة المترجمة، إلى جانب استقبال سياح صم من خارج المملكة في مناسبات عدة.

والتقت (بترا) عددا من المصلين (الصم) بحضور المترجم الرعود الذي ترجم لنا رأيهم، معتبرين أن ترجمة خطبة الجمعة بلغة الإشارة تعكس اهتماماً حقيقياً بفئة الصم، وتمنحهم شعوراً أكبر بالاندماج والمشاركة، مؤكدين أن وجود المترجم يزيل حاجزاً كان يحول دون فهم الخطبة بصورة مباشرة.

حازم الياسين وهو من فئة "الصم والبكم" يقول، كما نقل المرتجم الرعود: لقد أصبح حضوره لصلاة الجمعة أكثر انتظاماً وفهماً، مشيرا الى أن وجود مترجم بلغة الإشارة يجعل المسجد أكثر قرباً من الجميع، ويمنح الأشخاص الصم فرصة لفهم الخطبة ورسالتها مثل بقية المصلين.

ويقول خالد الكبيش، وهو أيضاً من الصم والبكم: لقد تحولت خطبة الجمعة إلى فرصة للتعرف على آخرين وبناء علاقات اجتماعية، فيما بات يزن ينتظر صباح الجمعة بشغف، ويأتي قبل موعد الصلاة بوقت طويل ليهيئ المكان لاستقبال زملائه.

ويختزل يزن الجولاني شعوره عما تحمله له خطبة الجمعة بقوله: إنه أصبح يستيقظ كل صباح جمعة للذهاب إلى المسجد قبل الصلاة بساعتين لحجز المكان المخصص لنا، مضيفاً: نشعر بحماس يستمر لأسبوع كامل بين كل جمعة والتي تليها.

ويعكس حديث الجولاني الأثر الذي تجاوز فهم مضمون الخطبة إلى ارتباط المصلين الصم بموعد أسبوعي ينتظرونه بشغف، حيث تمنحهم خطبة الجمعة مساحة للقاء والتواصل والشعور بأنهم جزء فاعل من المشهد الديني والاجتماعي.

ومن خلف حركات اليد وتعابير الوجه، تقف حكاية أشخاص من الصم والبكم وجدوا في صباح الجمعة موعداً ثابتاً للقاء، وفي المسجد مكاناً يشعرون فيه أنهم حاضرون، ومشاركون، وجزء فاعل من المجتمع.

(دينا محادين)

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم