الوحوش يكتب: عندما يصبح الوعي القانوي خط الدفاع الاول

منذ 1 شهر
المشاهدات : 15546
الوحوش يكتب: عندما يصبح الوعي القانوي خط الدفاع الاول
محمد احمد سلامة الوحوش

محمد احمد سلامة الوحوش

لا يُقاس تقدم الدول بعدد القوانين التي تصدرها، بل بمدى وعي أفرادها بها واحترامهم لها. فالقانون، مهما بلغ من الدقة والشمول، يفقد جزءًا كبيرًا من أثره إذا بقي حبيس النصوص، بعيدًا عن إدراك المواطن وفهمه لحقوقه وواجباته. في حياتنا اليومية نبرم عقودًا، ونشتري ونبيع، ونتعامل عبر المنصات الرقمية، ونستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، ونوقع على مستندات قد يترتب عليها آثار قانونية كبيرة، ومع ذلك فإن كثيرًا من الناس يقدمون على هذه التصرفات دون معرفة كافية بما قد يترتب عليها. والنتيجة هي نزاعات كان يمكن تجنبها، وحقوق ضاعت بسبب الجهل أكثر مما ضاعت بسبب غياب القانون. إن بناء مجتمع يحترم القانون يبدأ ببناء الإنسان الواعي. فالثقافة القانونية ليست ترفًا فكريًا، ولا حكرًا على المحامين والقضاة، بل هي ضرورة لكل مواطن، لأنها تمنحه القدرة على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا، وتساعده على حماية حقوقه واحترام حقوق الآخرين. لقد شهد الأردن خلال السنوات الماضية تطورًا ملحوظًا في تحديث التشريعات والخدمات الحكومية الإلكترونية، إلا أن هذا التطور يجب أن يوازيه جهد أكبر في نشر الثقافة القانونية بين أفراد المجتمع فكل تشريع جديد يحتاج إلى من يشرحه بلغة بسيطة، وكل حق يحتاج إلى من يعرف كيف يمارسه، وكل واجب يحتاج إلى من يدرك أهميته. ومن هنا، فإن الجامعات والمدارس ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تتحمل مسؤولية مشتركة في نشر الوعي القانوني، ليس من خلال عرض النصوص القانونية المجردة، وإنما عبر تقديم أمثلة واقعية، وشرح مبسط، وربط القانون بحياة الناس اليومية. كما أن الشباب، بوصفهم الفئة الأكثر استخدامًا للتكنولوجيا، بحاجة إلى معرفة أوسع بالقوانين التي تنظم الفضاء الرقمي، بدءًا من حماية البيانات الشخصية، مرورًا بالجرائم الإلكترونية، وانتهاءً بالمسؤولية القانونية عن المحتوى المنشور على الإنترنت. فالضغطة الواحدة على زر «نشر " قد تترتب عليها آثار قانونية لا يدركها كثيرون. إن سيادة القانون لا تتحقق فقط داخل المحاكم، بل تبدأ عندما يختار المواطن احترام القانون عن قناعة، وعندما يدرك أن الالتزام به يحمي المجتمع قبل أن يفرض العقوبة على المخالف. ختامًا، فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في تشييد المباني أو إصدار المزيد من التشريعات فحسب، بل في بناء وعي قانوني يجعل من كل مواطن شريكًا في حماية العدالة وترسيخ دولة القانون والمؤسسات. فالمجتمع الواعي هو المجتمع الأكثر قدرة على حفظ الحقوق، والأقل عرضة للنزاعات، والأقرب إلى حقيق التنمية والاستقرار.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم