من خبرتي المتواضعة في الإعلام الأمني والاتصال الحكومي، أرى أن ليس كل تأخر في صدور المعلومة الرسمية يعني تقصيرا أو محاولة لإخفاء الحقيقة. فقد تفرض اعتبارات أمنية أو قانونية أو مهنية، أو وجود تحقيقات جارية، أو الحاجة إلى التحقق من الوقائع، أو حماية خصوصية الأشخاص، أو التنسيق بين عدة جهات، التريث قبل الإعلان حتى تكتمل الصورة.
لكن في المقابل، فرضت وسائل التواصل الاجتماعي واقعًا جديدا؛ فسرعة انتشار الخبر أصبحت جزءا من الحدث نفسه، ولم يعد الجمهور ينتظر البيان الرسمي أو النشرة الإخبارية. والأخطر أن كثيرا من مستخدمي هذه المنصات لا يدركون خطورة نشر معلومات غير مؤكدة، أو مسؤوليتهم القانونية والأخلاقية عما ينشرونه، فيغدو هاجس البعض تحقيق "الترند" وحصد الإعجابات والمشاركات قبل التأكد من صحة المعلومة.
وفي قضايا الفساد، كما في القضايا الأمنية، قد يكون التريث ضرورة لحماية سير التحقيق، وليس لحماية الفاسد. لكن هذا التريث يجب ألا يتحول إلى صمت مطلق، بل ينبغي أن يقابله تواصل مؤسسي ذكي يمنع الفراغ المعلوماتي، لأن الفراغ هو البيئة المثالية لنمو الشائعات والتسريبات والتشهير.
وتزداد الحساسية عندما يتعلق الأمر باتهامات موجهة إلى أشخاص، إذ لا يجوز أن تكون السرعة على حساب حقوق الأفراد، ولا أن يصبح الصمت سببا في اغتيال الشخصية. وهنا تبرز معادلة دقيقة تقوم على الموازنة بين ثلاثة حقوق أساسية: حق المجتمع في المعرفة، وحق المتهم في قرينة البراءة وعدم التشهير، وحق الجهات المختصة في إجراء تحقيق مهني بعيدا عن الضغوط الإعلامية.
ومن هنا، أرى أن الحل يكمن في الشفافية المرحلية. فبدلا من الصمت الكامل أو الكشف عن جميع التفاصيل قبل أوانها، يمكن للجهة المعنية أن تصدر بيانا أوليا يوضح أن معلومات قد وردت، وأن تحقيقًا قد فُتح، وأن النتائج ستعلن فور اكتمال الإجراءات. مثل هذا البيان لا يضر بالتحقيق، لكنه يحد من التكهنات ويغلق الباب أمام الشائعات.
وفي المقابل، فإن وسائل التواصل الاجتماعي بحاجة إلى ترسيخ ثقافة جديدة تقوم على التمييز بين الخبر والاتهام، وبين الاشتباه والإدانة. فكثيرون يتعاملون مع منشور أو تسجيل مجهول المصدر أو تسريب غير موثق وكأنه حكم قضائي نهائي، بينما الأصل أن الاتهام شيء، والإدانة القضائية شيء آخر.
ولا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد. فالمعادلة تتطلب التزاما متبادلا؛ على المؤسسات أن تكون أكثر سرعة ووضوحا في التواصل، وعلى المجتمع أن يكون أكثر وعيا في التعامل مع المعلومات. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ثلاثة مسارات متوازية:
• إصدار بيان أولي سريع من الجهة الرسمية عند وقوع الحدث، حتى لو كان مقتضبا، مع التعهد بإعلان التفاصيل لاحقا وفق مقتضيات التحقيق.
• تعزيز التربية الإعلامية، بحيث يصبح التحقق من المعلومات قبل نشرها ثقافة مجتمعية راسخة، لا مجرد نصيحة عابرة.
• تطبيق القانون بحزم على من يتعمد نشر الأخبار الكاذبة أو المضللة أو حملات التشهير، مع التمييز بين الخطأ غير المقصود والتضليل المتعمد.
لقد غيّر العصر الرقمي قواعد الاتصال والإعلام، ولم تعد معادلة "إما السرعة أو الدقة" مقبولة. فالمطلوب اليوم هو سرعة مسؤولة من المؤسسات، ومسؤولية واعية من المستخدمين.
وفي النهاية، لم يعد السؤال في زمن المنصات الرقمية: هل ننشر أم لا؟ بل أصبح: كيف ننشر؟ ومتى ننشر؟ وبأي قدر من المعلومات نحمي حق المجتمع في المعرفة، دون أن نهدر حق الأفراد في العدالة أو نضر بسير التحقيقات؟
هذه هي المعادلة الصعبة... لكنها أيضا المعادلة الوحيدة التي تحفظ الثقة بالمؤسسات، وتصون الحقوق، وتحاصر الشائعات دون أن تحاصر الحقيقة.
لكن في المقابل، فرضت وسائل التواصل الاجتماعي واقعًا جديدا؛ فسرعة انتشار الخبر أصبحت جزءا من الحدث نفسه، ولم يعد الجمهور ينتظر البيان الرسمي أو النشرة الإخبارية. والأخطر أن كثيرا من مستخدمي هذه المنصات لا يدركون خطورة نشر معلومات غير مؤكدة، أو مسؤوليتهم القانونية والأخلاقية عما ينشرونه، فيغدو هاجس البعض تحقيق "الترند" وحصد الإعجابات والمشاركات قبل التأكد من صحة المعلومة.
وفي قضايا الفساد، كما في القضايا الأمنية، قد يكون التريث ضرورة لحماية سير التحقيق، وليس لحماية الفاسد. لكن هذا التريث يجب ألا يتحول إلى صمت مطلق، بل ينبغي أن يقابله تواصل مؤسسي ذكي يمنع الفراغ المعلوماتي، لأن الفراغ هو البيئة المثالية لنمو الشائعات والتسريبات والتشهير.
وتزداد الحساسية عندما يتعلق الأمر باتهامات موجهة إلى أشخاص، إذ لا يجوز أن تكون السرعة على حساب حقوق الأفراد، ولا أن يصبح الصمت سببا في اغتيال الشخصية. وهنا تبرز معادلة دقيقة تقوم على الموازنة بين ثلاثة حقوق أساسية: حق المجتمع في المعرفة، وحق المتهم في قرينة البراءة وعدم التشهير، وحق الجهات المختصة في إجراء تحقيق مهني بعيدا عن الضغوط الإعلامية.
ومن هنا، أرى أن الحل يكمن في الشفافية المرحلية. فبدلا من الصمت الكامل أو الكشف عن جميع التفاصيل قبل أوانها، يمكن للجهة المعنية أن تصدر بيانا أوليا يوضح أن معلومات قد وردت، وأن تحقيقًا قد فُتح، وأن النتائج ستعلن فور اكتمال الإجراءات. مثل هذا البيان لا يضر بالتحقيق، لكنه يحد من التكهنات ويغلق الباب أمام الشائعات.
وفي المقابل، فإن وسائل التواصل الاجتماعي بحاجة إلى ترسيخ ثقافة جديدة تقوم على التمييز بين الخبر والاتهام، وبين الاشتباه والإدانة. فكثيرون يتعاملون مع منشور أو تسجيل مجهول المصدر أو تسريب غير موثق وكأنه حكم قضائي نهائي، بينما الأصل أن الاتهام شيء، والإدانة القضائية شيء آخر.
ولا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد. فالمعادلة تتطلب التزاما متبادلا؛ على المؤسسات أن تكون أكثر سرعة ووضوحا في التواصل، وعلى المجتمع أن يكون أكثر وعيا في التعامل مع المعلومات. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ثلاثة مسارات متوازية:
• إصدار بيان أولي سريع من الجهة الرسمية عند وقوع الحدث، حتى لو كان مقتضبا، مع التعهد بإعلان التفاصيل لاحقا وفق مقتضيات التحقيق.
• تعزيز التربية الإعلامية، بحيث يصبح التحقق من المعلومات قبل نشرها ثقافة مجتمعية راسخة، لا مجرد نصيحة عابرة.
• تطبيق القانون بحزم على من يتعمد نشر الأخبار الكاذبة أو المضللة أو حملات التشهير، مع التمييز بين الخطأ غير المقصود والتضليل المتعمد.
لقد غيّر العصر الرقمي قواعد الاتصال والإعلام، ولم تعد معادلة "إما السرعة أو الدقة" مقبولة. فالمطلوب اليوم هو سرعة مسؤولة من المؤسسات، ومسؤولية واعية من المستخدمين.
وفي النهاية، لم يعد السؤال في زمن المنصات الرقمية: هل ننشر أم لا؟ بل أصبح: كيف ننشر؟ ومتى ننشر؟ وبأي قدر من المعلومات نحمي حق المجتمع في المعرفة، دون أن نهدر حق الأفراد في العدالة أو نضر بسير التحقيقات؟
هذه هي المعادلة الصعبة... لكنها أيضا المعادلة الوحيدة التي تحفظ الثقة بالمؤسسات، وتصون الحقوق، وتحاصر الشائعات دون أن تحاصر الحقيقة.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات