د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: ظاهرة انتحال شخصية القاضي والطبيب والشيخ .. جريمة ام مرض نفسي؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 15384
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: ظاهرة انتحال شخصية القاضي والطبيب والشيخ ..  جريمة ام مرض نفسي؟
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

اجتازت قضية شاب عربي ادعى صفة قاضٍ حدود الدولة التي وقعت فيها، لتصبح حديثًا في العالم العربي، بعدما أثارت الصور ومقاطع الفيديو المتداولة تساؤلات واسعة حول دوافع انتحال الصفات وأساليب الإقناع الزائف.

ففي كل مرة تنكشف فيها قضية انتحال شخصية قاضٍ، أو طبيب، أو رجل أمن، أو موظف رقابي، أو شيخ دين، أو شيخ عشيرة، يظن الناس أنهم أمام حادثة استثنائية، بينما الحقيقة أن الظاهرة قديمة قدم المجتمعات نفسها، وتتكرر بأشكال مختلفة في كل دول العالم.

فالمنتحل لا يختار صفته عشوائياً، بل ينتقي بعناية الشخصية التي تختصر في أذهان الناس الثقة والهيبة والسلطة والخبرة. فيسرق لقباً ويحاول استعارة الرصيد النفسي والاجتماعي الذي بناه المجتمع عبر سنوات طويلة لهذه المهنة أو تلك.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، تقوم هذه الظاهرة على ما يعرف بـ تأثير السلطة (Authority Effect)، حيث يميل الإنسان بصورة تلقائية إلى تصديق من يبدو صاحب اختصاص أو منصب أو مكانة اجتماعية مرموقة، وهو ما بينته دراسات علم النفس حول أثر الرموز الرسمية والزي والألقاب في تشكيل الطاعة والثقة.

ولا يقل عن ذلك أهمية ما يعرف في علم النفس المعرفي بـ الاستدلال بالسلطة (Authority Heuristic)، إذ يلجأ الدماغ إلى اختصار عملية التحقق عندما يرى مظهراً أو لقباً يوحي بالكفاءة، فيمنح الثقة قبل أن يبحث عن الدليل. ومن هنا تصبح صفة "القاضي" أو "الطبيب" أو "الشيخ" أداة نفسية مؤثرة، قبل أن تكون مجرد مسمى وظيفياً.

لكن السؤال الأهم: لماذا ينتحل الإنسان هذه الشخصيات؟

يمكن فهم الدوافع من خلال ثلاثة مسارات رئيسية.

أولاً: المسار الإجرامي.

وهذا هو الأكثر شيوعاً، حيث يكون الانتحال وسيلة للاحتيال، أو الاستيلاء على الأموال، أو ابتزاز الضحايا، أو استغلال حاجاتهم وآلامهم، أو تحقيق نفوذ لا يملكه صاحبه. وهنا يكون المنتحل مدركاً تمام الإدراك لما يفعل، ويخطط لسلوكه ويخفي حقيقته، ولذلك يتحمل مسؤوليته الجنائية كاملة.

ثانياً: المسار النفعي المؤقت.

وفيه لا يكون الهدف بناء حياة كاملة على الكذب، وإنما تحقيق مصلحة سريعة؛ كتجاوز إجراء، أو كسب احترام لحظي، أو دخول مكان، أو الحصول على خدمة أو امتياز. وقد يبدو الفعل أقل تنظيماً، لكنه يبقى سلوكاً مخالفاً للقانون والأخلاق لأنه يقوم على الخداع المتعمد.

ثالثاً: المسار المرضي.

وهنا يصبح الأمر أكثر تعقيداً، لأن بعض حالات انتحال الصفات قد ترتبط باضطرابات نفسية أو عقلية أو اضطرابات في الشخصية، وإن كانت تمثل نسبة محدودة مقارنة بالحالات الإجرامية.

فقد تدفع بعض اضطرابات الشخصية الفرد إلى البحث المرضي عن الإعجاب والهيبة والشعور بالعظمة، أو إلى نسج الأكاذيب بصورة مزمنة، أو إلى تقمص أدوار تمنحه شعوراً بالقيمة التي يعجز عن تحقيقها في واقعه. وفي حالات الاضطرابات الذهانية الشديدة، قد يفقد الإنسان بصيرته بالواقع، ويصبح مقتنعاً اقتناعاً مرضياً بأنه بالفعل صاحب تلك الصفة.

وهنا يبرز مبدأ أساسي في الطب النفسي الشرعي، وهو أن وجود المرض النفسي لا يعني تلقائياً انتفاء المسؤولية الجنائية. فالمعيار الحقيقي هو مدى احتفاظ الشخص وقت ارتكاب الفعل بقدرته على الإدراك والتمييز والسيطرة على إرادته. ولذلك فإن تقييم المسؤولية لا يحدده الرأي العام، ولا وسائل الإعلام، بل يحدده القضاء بعد الاستعانة بالتقارير الطبية النفسية الشرعية.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تستهدف المال فقط، بل تستهدف الثقة العامة. فعندما ينتحل شخص صفة طبيب، فإن الضحية لا تخسر مالها فحسب، بل قد تخسر صحتها. وعندما ينتحل آخر صفة قاضٍ، فإنه يهز ثقة الناس بالعدالة. وعندما ينتحل شخص صفة شيخ دين، فإنه قد يعبث بعقائد الناس ومشاعرهم. وعندما ينتحل صفة رجل أمن أو موظف رقابي، فإنه يسيء إلى هيبة الدولة ذاتها.

ولهذا فإن مكافحة انتحال الصفات لا تبدأ من المحاكم فقط، بل تبدأ من بناء ثقافة مجتمعية لا تمنح الثقة للألقاب وحدها، وإنما للمؤهلات الموثقة، والهوية الرسمية، والمؤسسات، وسيادة القانون.

فالهيبة الحقيقية لا تُرتدى كما تُرتدى البدلة، ولا تُشترى كما تُشترى البطاقات المزيفة، ولا تُكتسب بادعاء الألقاب. إنها تُبنى بالعلم، والنزاهة، والخبرة، وخدمة الناس.

ويبقى المجتمع الواعي هو خط الدفاع الأول؛ فكلما ارتفع الوعي، ضاقت المساحة التي يتحرك فيها المنتحلون، وبقيت المهن التي تقوم عليها الدولة والمجتمع محفوظة المكانة، مصونة الهيبة، لا يحمل ألقابها إلا من استحقها علماً وأخلاقاً وقانوناً.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم