الطورة يكتب : قانون الملكية العقارية .. يوم انتصرت السلطة على صاحب الأرض

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 18222
الطورة يكتب : قانون الملكية العقارية ..  يوم انتصرت السلطة على صاحب الأرض
يوسف الطورة

يوسف الطورة

يوسف الطورة - أن تسلم ربع أرضك وأنت واقف على تراب الوطن، وأن ترى ملكيتك تقتطع أمام عينيك قسراً لا طواعية، ثم يقال لك أن ذلك باسم "المصلحة العامة"، وأن تراهن على المؤسسة التشريعية لوقف المشروع، ثم تخسر الرهان ويربح المستثمر، فهذه ليست مجرد معادلة قانونية، بل معادلة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على حساب الأخير.

إذا كان كل هذا يحدث فإنه يذكرنا تاريخياً واخلاقياً بتساؤل ما الذي يختلف بين انتزاع الأرض قسراً اليوم وبين سياسات العثمانيين التي صادرت الأراضي وتقاسمت عوائدها؟، وما الذي يختلف من حيث النتيجة عن وعد بلفور الذي منح أرضاً لا يملكها لمن لا يستحقها؟، قد تختلف الظروف والوقائع، لكن الأرض في وجدان الناس ليست رقماً في سجل العقارات بل هوية وذاكرة وكرامة.

ولمن يحتمي بشرعية التصويت، فإن التاريخ لا يمنح صكوك البراءة للأغلبية، فالنازيون وصلوا إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، والديمقراطية ليست بالضرورة أن تأتي بالأفضل.

الديمقراطية ليست مجرد عد للأصوات، بل حماية للحقوق وفي مقدمتها حق الملكية، أما الاكتفاء بالقول إن "المجلس صوت"، فليس جواباً على سؤال العدالة.

وسواء عجبنا ذلك أم لم يعجبنا فهذه هي الديمقراطية ومنظومة التحديث السياسي، و"عشرطعش" قانون انتخابات، وآخرها قانون فرض مقاعد الأحزاب البرلمانية، وللإنصاف فإن بعضاً من ذلك كان نتيجة خيارات الناخب.

يعرف الأردنيون جيداً أن قوانين الانتخابات لم تعرف الاستقرار منذ استئناف الحياة البرلمانية عام 1989، ففي كل دورة قانون جديد، وصيغة مختلفة من تعدد الأصوات إلى الصوت الواحد، ومن الدائرة الوهمية إلى القوائم، وصولاً إلى مقاعد الأحزاب في البرلمان الحالي، كانت القوانين تتبدل، لكن الثابت الوحيد هو تراجع ثقة الناس بقدرة المجالس على الدفاع عن مصالحهم.

كان المشهد تحت القبة كافياً لتلخيص الأزمة، نائب يعلن نيته الاستقالة بعد أن صوت للقانون، ويرجو الله أن يغفر له إن كان قد أخطأ، وكأنه يقر بأن ضميره لم يغادر الجلسة مرتاحاً، في محاولة أخيرة لإبراء الذمة.

وآخرون يهاجمون أداء المجلس ويؤكدون أن "حقوق الناس أُكلت"، فما راح مواطنون يبحثون عن هوية النائب الذي صفق بعد إقرار المادة الثانية، وكأن التصفيق جاء احتفالاً بانتصار النص على أصحاب الحقوق.

الأخطر أن الاعتراف جاء من داخل البرلمان نفسه، نواب قالوا صراحة إن المجلس لم ينصف المواطنين، وإن المؤسسة التشريعية انحرفت عن دورها الرقابي والتشريعي.

عندما يصبح الاتهام صادراً من داخل القاعة، فإن الأزمة تتجاوز الخلاف السياسي لتصبح أزمة ثقة بمؤسسة يفترض أنها تمثل الإرادة الشعبية وتحميها.

القوانين تكتب بالحبر لكن آثارها تترسخ في ذاكرة الشعوب، وإذا شعر المواطن أن ملكيته لم تعد مصونة، وأن صوته الانتخابي لم يعد قادراً على حماية حقه، فإن الخسارة لن تكون في قطعة أرض بل في الثقة نفسها.

سيمر القانون كغيره، لكن الجدل لن ينتهي عند هذا الحد، فالأرض في وجدان الناس ليست مجرد أصل عقاري، بل جزء من الهوية الوطنية، وكل قانون يشعر الناس بأن ملكيتهم أصبحت أقل أمناً يفتح باباً واسعاً للأسئلة، ويغلق باباً آخر كان اسمه الثقة.

وهكذا لا يبدو أن الرابح الحقيقي هو الوطن كما يقال، بل المستثمر الذي حصل على ما يريد، فيما خرج المواطن من المعركة وهو يحمل سؤالاً واحداً يريد له إجابة دون مواربة "إذا لم تحمي المؤسسة التشريعية حقي في أرضي فمن سيفعل؟".

قد يكون القانون انتصر في التصويت، لكن ذلك لا يعني أنه انتصر في ضمير الناس، فهناك انتصارات سجل في محاضر الجلسات، وهناك هزائم تكتب في ذاكرة الشعوب، وذاكرة الشعوب لا تسقط بالتقادم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم