في هذه الذكرى، لا بد من الوقوف بكل تقدير أمام دولة الكويت، التي عُرفت، على امتداد تاريخها، بمواقفها الداعمة لقضايا الأمة العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وبإسهاماتها الإنسانية والتنموية في مختلف أنحاء الوطن العربي، فكانت دولة خير وعطاء ومسؤولية، وظلت تؤمن بأن قوة العرب في تضامنهم، وأن استقرار المنطقة مسؤولية مشتركة.
وفي الثاني من آب، تعود إلى الذاكرة ذكرى احتلال العراق لدولة الكويت، ذلك الحدث الذي شكّل نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة العربية، ولا تزال آثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية حاضرة حتى اليوم. فقد كانت تلك الأزمة أكثر من مجرد حرب بين دولتين عربيتين، بل شرخًا أصاب منظومة العمل العربي، وما زالت الأمة تدفع، بدرجات متفاوتة، بعضًا من كلفته حتى يومنا هذا.
وأستذكر، وأنا حينها تلميذ في المرحلة الابتدائية، كيف كانت دول الخليج العربي، وفي مقدمتها الكويت، تمثل وجهة للرزق والعمل لكثير من أبناء الوطن العربي، وكيف كانت الحركة الاقتصادية والإنسانية بين الأشقاء تعكس روح التضامن والتكافل العربي، قبل أن تأتي تلك الأزمة لتغيّر وجه المنطقة، وتفتح أبوابًا لتحولات سياسية واستراتيجية ما زلنا نعيش آثارها.
ومن هنا، فإن الدرس الأول الذي ينبغي أن يبقى راسخًا هو أن الخلافات بين الدول العربية والإسلامية لا يجوز أن تُحل بالقوة أو بالاعتداء، بل بالحوار، واحترام السيادة، وحسن الجوار، والاحتكام إلى المؤسسات والاتفاقيات العربية والدولية. فلا توجد قضية عربية تستحق أن يُراق بسببها الدم العربي، ولا خلاف يبرر انتهاك سيادة دولة شقيقة.
لقد وقفت الكويت، إلى جانب دول عربية أخرى، مع العراق في مراحل مفصلية من تاريخه، وقدمت له دعمًا كبيرًا خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية. ومهما اختلفت التقديرات بشأن طبيعة هذا الدعم أو حجمه أو آليات تسويته، فإن معالجة أي خلاف كان ينبغي أن تتم عبر التفاوض والوسائل السياسية، لا عبر اللجوء إلى القوة العسكرية.
ومن أهم الدروس التي كشفتها تلك الأزمة أن العمل العربي المشترك يحتاج إلى مؤسسات اقتصادية ومالية واستراتيجية واضحة، تنظم أوجه الدعم والتعاون بين الدول، وتحدد الحقوق والواجبات، بما يمنع تحول المساعدات أو الالتزامات المالية إلى مصادر خلاف مستقبلي. فالعلاقات الأخوية بين الدول تحتاج إلى حسن النيات، لكنها تحتاج أيضًا إلى مؤسسات تحفظ الحقوق وتصون المصالح.
كما أثبتت التجربة أن الأمن العربي لا يتجزأ، وأن أمن كل دولة هو جزء من أمن جيرانها. ولذلك فإن بناء منظومة عربية أكثر تكاملًا في الاقتصاد، والأمن، والطاقة، والتعليم، والبنية التحتية، لم يعد خيارًا ترفيًّا، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات العصر.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، ما زالت المنطقة العربية تواجه تحديات متزايدة، وتعاظمًا في التدخلات الإقليمية والدولية، وتنافسًا محتدمًا على النفوذ والمصالح. ولعل من أبرز دروس تلك المرحلة أن الانقسام العربي يفتح المجال أمام القوى الإقليمية والدولية لتوسيع نفوذها، ويجعل القرار العربي أكثر عرضة للضغوط والاستقطاب.
واليوم، لم تعد معارك الدول تقتصر على الحدود والجيوش، بل أصبحت معارك وجود، وسيادة، واقتصاد، وأمن غذائي، وطاقة، وتقنية، واستقلال قرار. ومهما بلغت قوة أي دولة عربية، فإنها لن تستطيع مواجهة هذه التحديات منفردة، بل من خلال عمل عربي جماعي، وتكامل اقتصادي وأمني، ورؤية استراتيجية مشتركة، تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام الكامل لسيادة كل دولة.
إن المستقبل يحتاج إلى خطوات عملية ومتدرجة، تبدأ بمشروعات عربية قابلة للتنفيذ، وتوسيع الأسواق المشتركة، وتعزيز الاستثمار العربي، وربط البنية التحتية والطاقة، وتطوير التعاون العلمي والأمني، حتى تصبح الأمة العربية أكثر قدرة على حماية أمنها القومي وصناعة مستقبلها بنفسها.
ويبقى الأمل أن تكون هذه الذكرى مناسبة لا لاستحضار آلام الماضي، بل لاستخلاص العبر التي تمنع تكراره. فالتاريخ لا يُكتب للبكاء على ما مضى، وإنما لنتعلم كيف نصنع مستقبلًا أفضل.
حفظ الله الكويت الحبيبة، وحفظ الله العراق الحبيب، وأدام المحبة بين الشعبين الشقيقين، وحفظ المملكة العربية السعودية وسائر الدول العربية، وجعل أمتنا أكثر قوة بوحدتها، وأكثر منعة بتكاملها، وأكثر قدرة على حماية أمنها القومي وصناعة مستقبلها.
فالأوطان لا يحميها الندم على الماضي، وإنما يحميها التعلم من التاريخ، ووحدة الصف، والإرادة المشتركة، والعمل المؤسسي الذي يجعل من الأمة العربية قوةً قادرةً على حماية وجودها ومصالحها في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.
وفي الثاني من آب، تعود إلى الذاكرة ذكرى احتلال العراق لدولة الكويت، ذلك الحدث الذي شكّل نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة العربية، ولا تزال آثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية حاضرة حتى اليوم. فقد كانت تلك الأزمة أكثر من مجرد حرب بين دولتين عربيتين، بل شرخًا أصاب منظومة العمل العربي، وما زالت الأمة تدفع، بدرجات متفاوتة، بعضًا من كلفته حتى يومنا هذا.
وأستذكر، وأنا حينها تلميذ في المرحلة الابتدائية، كيف كانت دول الخليج العربي، وفي مقدمتها الكويت، تمثل وجهة للرزق والعمل لكثير من أبناء الوطن العربي، وكيف كانت الحركة الاقتصادية والإنسانية بين الأشقاء تعكس روح التضامن والتكافل العربي، قبل أن تأتي تلك الأزمة لتغيّر وجه المنطقة، وتفتح أبوابًا لتحولات سياسية واستراتيجية ما زلنا نعيش آثارها.
ومن هنا، فإن الدرس الأول الذي ينبغي أن يبقى راسخًا هو أن الخلافات بين الدول العربية والإسلامية لا يجوز أن تُحل بالقوة أو بالاعتداء، بل بالحوار، واحترام السيادة، وحسن الجوار، والاحتكام إلى المؤسسات والاتفاقيات العربية والدولية. فلا توجد قضية عربية تستحق أن يُراق بسببها الدم العربي، ولا خلاف يبرر انتهاك سيادة دولة شقيقة.
لقد وقفت الكويت، إلى جانب دول عربية أخرى، مع العراق في مراحل مفصلية من تاريخه، وقدمت له دعمًا كبيرًا خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية. ومهما اختلفت التقديرات بشأن طبيعة هذا الدعم أو حجمه أو آليات تسويته، فإن معالجة أي خلاف كان ينبغي أن تتم عبر التفاوض والوسائل السياسية، لا عبر اللجوء إلى القوة العسكرية.
ومن أهم الدروس التي كشفتها تلك الأزمة أن العمل العربي المشترك يحتاج إلى مؤسسات اقتصادية ومالية واستراتيجية واضحة، تنظم أوجه الدعم والتعاون بين الدول، وتحدد الحقوق والواجبات، بما يمنع تحول المساعدات أو الالتزامات المالية إلى مصادر خلاف مستقبلي. فالعلاقات الأخوية بين الدول تحتاج إلى حسن النيات، لكنها تحتاج أيضًا إلى مؤسسات تحفظ الحقوق وتصون المصالح.
كما أثبتت التجربة أن الأمن العربي لا يتجزأ، وأن أمن كل دولة هو جزء من أمن جيرانها. ولذلك فإن بناء منظومة عربية أكثر تكاملًا في الاقتصاد، والأمن، والطاقة، والتعليم، والبنية التحتية، لم يعد خيارًا ترفيًّا، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات العصر.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، ما زالت المنطقة العربية تواجه تحديات متزايدة، وتعاظمًا في التدخلات الإقليمية والدولية، وتنافسًا محتدمًا على النفوذ والمصالح. ولعل من أبرز دروس تلك المرحلة أن الانقسام العربي يفتح المجال أمام القوى الإقليمية والدولية لتوسيع نفوذها، ويجعل القرار العربي أكثر عرضة للضغوط والاستقطاب.
واليوم، لم تعد معارك الدول تقتصر على الحدود والجيوش، بل أصبحت معارك وجود، وسيادة، واقتصاد، وأمن غذائي، وطاقة، وتقنية، واستقلال قرار. ومهما بلغت قوة أي دولة عربية، فإنها لن تستطيع مواجهة هذه التحديات منفردة، بل من خلال عمل عربي جماعي، وتكامل اقتصادي وأمني، ورؤية استراتيجية مشتركة، تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام الكامل لسيادة كل دولة.
إن المستقبل يحتاج إلى خطوات عملية ومتدرجة، تبدأ بمشروعات عربية قابلة للتنفيذ، وتوسيع الأسواق المشتركة، وتعزيز الاستثمار العربي، وربط البنية التحتية والطاقة، وتطوير التعاون العلمي والأمني، حتى تصبح الأمة العربية أكثر قدرة على حماية أمنها القومي وصناعة مستقبلها بنفسها.
ويبقى الأمل أن تكون هذه الذكرى مناسبة لا لاستحضار آلام الماضي، بل لاستخلاص العبر التي تمنع تكراره. فالتاريخ لا يُكتب للبكاء على ما مضى، وإنما لنتعلم كيف نصنع مستقبلًا أفضل.
حفظ الله الكويت الحبيبة، وحفظ الله العراق الحبيب، وأدام المحبة بين الشعبين الشقيقين، وحفظ المملكة العربية السعودية وسائر الدول العربية، وجعل أمتنا أكثر قوة بوحدتها، وأكثر منعة بتكاملها، وأكثر قدرة على حماية أمنها القومي وصناعة مستقبلها.
فالأوطان لا يحميها الندم على الماضي، وإنما يحميها التعلم من التاريخ، ووحدة الصف، والإرادة المشتركة، والعمل المؤسسي الذي يجعل من الأمة العربية قوةً قادرةً على حماية وجودها ومصالحها في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات