يشهد العالم في العقود الأخيرة تحولات استراتيجية متسارعة، أبرزها تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ والاقتصاد والتكنولوجيا والأمن. وفي خضم هذه التحولات عاد إلى الواجهة مفهوم "فخ ثوسيديدس"، الذي يرى أن صعود قوة دولية جديدة في مواجهة قوة مهيمنة يرفع من احتمالية اندلاع الحروب إذا عجزت السياسة عن إدارة هذا التنافس بحكمة. فهذا المفهوم لا يعد الحرب قدرًا محتومًا، لكنه يلفت الانتباه إلى أن الخوف وسوء التقدير قد يدفعان الدول إلى صراع لم يكن أي منها يريده. ويستمد هذا المفهوم جذوره من تحليل المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس للحرب البيلوبونيسية، حين رأى أن صعود أثينا وما ولّده من قلق لدى إسبرطة كان العامل الأهم في اندلاع الحرب. واليوم يستحضر الباحثون هذا النموذج عند دراسة التنافس بين القوى الكبرى، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية مع الأمن القومي والتفوق التكنولوجي والهيمنة على طرق التجارة والطاقة. غير أن السؤال الذي يهم العالم العربي ليس: هل ستقع حرب بين القوى الكبرى؟ بل: ما موقع العرب إذا وقع هذا الصراع أو اشتد التنافس؟ فالتاريخ يبين أن المناطق الواقعة عند تقاطع المصالح الدولية غالبًا ما تتحول إلى ساحات تنافس غير مباشر، حتى وإن لم تكن طرفًا رئيسًا في النزاع. والعالم العربي، بما يمتلكه من موقع جغرافي يربط القارات، وثروات طبيعية هائلة، وممرات بحرية استراتيجية، يمثل إحدى أهم هذه المناطق. لقد أثبتت التجارب أن الصراعات الدولية لا تبقى محصورة بين أطرافها، بل تمتد آثارها إلى الدول الأقل قدرة على التأثير في موازين القوة. فقد تتجلى في ضغوط اقتصادية، أو اضطرابات في أسواق الطاقة والغذاء، أو سباقات تسلح، أو استقطابات سياسية تفرض على الدول الصغيرة خيارات صعبة بين شركاء دوليين متنافسين. وفي مثل هذه الظروف تصبح المحافظة على الاستقلالية في القرار الوطني تحديًا حقيقيًا. إن أخطر ما قد يواجهه العالم العربي ليس أن يكون طرفًا في حرب كبرى، بل أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين. ولذلك فإن بناء موقف عربي يقوم على تنويع العلاقات الدولية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتطوير القدرات العلمية والتكنولوجية، يمثل ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار سياسي. فالدول التي تمتلك اقتصادًا قويًا، ومؤسسات مستقرة، ورؤية واضحة لمصالحها، تكون أكثر قدرة على تجنب آثار الصراعات الدولية. كما أن القراءة الواعية لفخ ثوسيديدس تفرض على صانع القرار العربي ألا ينظر إلى التنافس بين القوى الكبرى بمنطق الانحياز المطلق، وإنما بمنطق تحقيق المصالح الوطنية والقومية، مع المحافظة على أكبر قدر ممكن من التوازن والانفتاح. فالعلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف، بل بحسابات دقيقة توازن بين المبادئ والمصالح، وبين الالتزامات والمكاسب. لقد تغيرت أدوات الصراع في القرن الحادي والعشرين، فلم تعد الحرب تعني الجيوش وحدها، بل أصبحت تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، والإعلام، والذكاء الاصطناعي. ومن ثم فإن قدرة الدول على المنافسة لم تعد تُقاس بحجم ترسانتها العسكرية فقط، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتحقيق الاكتفاء، وبناء الإنسان القادر على مواجهة الأزمات. إن العرب ليسوا خارج معادلة "فخ ثوسيديدس"، لكنهم ليسوا أيضًا أسرى لها. فالمستقبل لا تصنعه الجغرافيا وحدها، بل تصنعه الإرادة السياسية، ووحدة الرؤية، والاستثمار في الإنسان، وبناء اقتصاد المعرفة. وعندما تتحول المنطقة من ساحة تتنافس عليها القوى الكبرى إلى شريك يمتلك عناصر القوة والتأثير، فإنها ستكون أقدر على حماية مصالحها، والإسهام في ترسيخ الاستقرار، بدل أن تكون أول المتضررين من صراعات الآخرين.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات