مهيار مقابله يكتب: بين خطاب التمرد وخطاب الوصاية… أين احترام المرأة؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11027
مهيار مقابله يكتب: بين خطاب التمرد وخطاب الوصاية… أين احترام المرأة؟

"كوني قوية… حتى تكوني مطلقة"


بالله عليكم، هل يليق هذا العنوان بمقال يكتبه أكاديمي يحمل درجة الدكتوراة؟ قد تكون الفكرة التي يريد الكاتب إيصالها صحيحة في جانب منها، لكن صحة الرسالة لا تبرر دائما طريقة عرضها. فهل هذا الأسلوب لائق ومتزن، أم أنه عنوان شعبوي صيغ لإثارة الجدل وجذب التفاعلات؟


بصفتي رجلا ومواطنا أردنيا وأبا لابنتين هما نواة قلبي، فإنني أرفض خطابين متناقضين، كلاهما يسيء إلى المرأة بدل أن ينصفها.


أرفض أولا بعض الخطابات التي تتحدث باسم تحرير المرأة وحماية حقوقها، بينما تدعو بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى التمرد على الأسرة والمجتمع والأعراف، وتصور كل اختلاف مع المألوف على أنه حرية وخصوصية وتميز. كما تزرع في وعي المرأة أنها مضطهدة ومقموعة دائما، وأن علاقتها بالرجل لا بد أن تكون علاقة منافسة وصراع بين ندّين.


نحن نعيش في مجتمع شرقي له خصوصيته وقيمه. نعم، توجد حالات إساءة أو تقصير في التعامل مع المرأة، ولا يجوز إنكارها أو التهاون معها، لكن لا يصح أيضا تعميمها وتصوير المجتمع كله على أنه مجتمع يقمع المرأة. ومن واقع تجربتي، أرى أن مجتمعنا لا يزال يتميز بمواقف الشهامة والفزعة والاحترام والمراعاة للمرأة أكثر من مجتمعات كثيرة. لذلك، فإن الخطاب الذي يحرض المرأة على التمرد الدائم، ويجعل الصدام مع الأسرة والمجتمع عنوانا للقوة، خطاب مرفوض.


وفي المقابل، أرفض بشدة الخطاب الذكوري الفوقي الذي يتعامل مع المرأة وكأنها خادمة أو كائن ناقص الأهلية، لا دور له إلا البقاء في المنزل للغسيل والطبخ والعناية بالأطفال. وأرفض أن يوجه مثل هذا الكلام إلى مجتمع تعيش فيه بناتي الغاليات، وقد يقرأنه يوما فيعتقدن أن هذا هو تصور المجتمع أو الدين لهن.


والأشد إساءة أن يستخدم بعضهم آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في غير مواضعها لتمرير أفكار لا يقبلها دين ولا عقل. لقد رفع الإسلام مكانة المرأة، وصان كرامتها، وجعل العلاقة بينها وبين الرجل قائمة على المودة والرحمة والحقوق المتبادلة، قال تعالى: ﴿ ﴿هُنّ لباس لكُم وأنتُم لباس لهُنّ﴾، ﴿ومن آياته أن خلق لكُم من أنفُسكُم أزواجا لتسكُنُوا إليها وجعل بينكُم مودّة ورحمة﴾، ﴿ولهُنّ مثلُ الّذي عليهنّ بالمعرُوف﴾. صدق الله العظيم.


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرا»، وقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».


من يريد أن ينصح المرأة أو يتحدث عن مكانتها، فليكن واضحا ومحترما، وليستخدم الخطاب الديني في موضعه الصحيح، لا أن يحوله إلى أداة للوصاية أو الانتقاص. المرأة، يا سادة، ليست كلها عورة ينبغي إخفاؤها عن المجتمع، وليست حملا ثقيلا، وليست ساذجة تحتاج إلى من يلقنها دورها في الحياة كل ساعة.

وهي، مثل الرجل، تحتاج إلى نصح الوالدين وتنشئة اجتماعية سليمة تقوم على القدوة والحوار، لا على التنظير ومقالات مواقع التواصل. ابنتك تحتاج منك أن تحترم عقلها، وأن تستمع إليها، وتحاورها، وتحتضنها، وتخاطبها بالقول اللين. والزوجة تحتاج إلى الأمر نفسه؛ فهي شريكة حياة، وليست تابعة أو خادمة أو شخصًا يعيش تحت المراقبة الدائمة.


 كما أن المرأة في مجتمعنا ليست ضحية أو مهمشة، كما تحاول بعض التيارات إقناعها. أتذكر والدي، رحمه الله، وإصراره الشديد على أن تدخل شقيقاتي جميعا التعليم الجامعي، وربما كان حرصه على تعليمهن أكبر من حرصه على تعليم الذكور. وأجزم أن هذا النموذج حاضر في كثير من أسرنا. ومن حق المرأة أن تتعلم، وتعمل، وتشارك في الانتخابات، وتوجد في المؤسسات التعليمية والمدنية والطبية وغيرها. فأين الحرمة في ذلك؟ وجودها في المجتمع لا ينتقص من قيمها ولا يتعارض مع احترامها، ما دامت تحافظ على أخلاقها وكرامتها، كما يطلب ذلك من الرجل أيضا. المرأة تحتاج إلى أن ترى في الرجل، سواء أكان أبا أم أخا أم زوجا، شخصًا يحترم عقلها ومكانتها، ولا ينظر إليها بدونية، ولا يعاملها كأنها قاصر دائمًا تحتاج إلى الوصاية والمراقبة في كل تفصيل.


بأمانة، قرأت مقال الدكتور، ثم تصفحت مقالا آخر له، فصُدمت من طريقة تقديم أفكار قد يكون بعضها صحيحا، ولكن بأسلوب لا يليق بأكاديمي يفترض أن يكون أكثر اتزانا ووقارا. فالعلم لا يظهر في الشهادة وحدها، بل في لغة الخطاب، واحترام عقل القارئ، والقدرة على مناقشة القضايا الحساسة بعيدا عن الاستفزاز والشعبوية. ثم لماذا لم يتناول الكاتب العنف المنزلي الموجود في بعض البيوت، أو الظلم الذي يمارسه بعض الأزواج، أو الحالات التي تتحمل فيها المرأة ما يفوق طاقتها وكرامتها، حتى يصبح الطلاق أو الهجر هو الحل الأخير لحمايتها؟ أليست هذه الحالات جزءا أصيلا من الموضوع الذي اختار له ذلك العنوان المثير؟


نحن لا نريد خطابا يحرض المرأة على هدم بيتها باسم القوة، ولا خطابا يطالبها بتحمل الإهانة والعنف باسم الصبر والطاعة. نريد خطابا عادلا يحفظ الأسرة، ويحمي المرأة، ويحاسب المسيء، ويقوم على الاحترام والمودة والرحمة. فالمرأة ليست خصما للرجل، وليست خادمة له، بل شريكة له في الأسرة والحياة والمجتمع.



 

 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم