فيصل تايه يكتب: من إجازة موظف إلى اختبار دولة ..

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11160
فيصل تايه يكتب: من إجازة موظف إلى اختبار دولة  ..
فيصل تايه

فيصل تايه

بعد سنوات من الجدل، أعادت حكومة الدكتور جعفر حسان فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للنقاش في الوظيفة العامة، بإعادة النظر في نظام الإجازة بدون راتب. ولم يكن القرار بالنسبة لآلاف الموظفين مجرد تعديل على نظام إداري، بل رسالة واضحة بأن الدولة الواثقة من نفسها لا تتردد في مراجعة سياساتها عندما تكشف التجربة أن المصلحة الوطنية تستدعي ذلك.

هذه الخطوة تستحق التقدير، ليس لأنها صححت مساراً طال انتظاره فحسب، بل لأنها قدمت نموذجاً في إدارة الشأن العام يقوم على المراجعة والتقييم، لا على الإصرار. فالحكومات لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على مراجعتها عندما تثبت الوقائع أن هناك ما يستوجب التصويب.

لكن، وفي اللحظة التي نرحب فيها بهذا القرار، يبقى سؤال لا يجوز أن يغيب عن أي نقاش مسؤول: ماذا عن السنوات التي سبقت هذا التعديل؟ وماذا عن مئات الموظفين الذين دفعوا ثمن السياسة السابقة، قبل أن تصل الدولة إلى قناعة بأن الوقت قد حان لإعادة النظر فيها؟

هذا السؤال لا يُطرح لإدانة أحد، ولا لفتح معارك مع الماضي، فالدول لا تُدار بتصفية الحسابات، وإنما بتراكم الخبرة. لكنه سؤال يفرض نفسه احتراماً للمواطن، واحتراماً للدولة نفسها. فكل سياسة عامة تُولد بهدف خدمة المصلحة الوطنية، لكن نجاحها لا يُقاس بحسن النوايا، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس.

لقد أثبتت التجربة أن ملف الإجازة بدون راتب لم يكن مجرد قضية وظيفية، بل كان ملفاً اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً بامتياز. فهناك من كانت أمامه فرصة عمل في الخارج تفتح له ولأسرته باباً لحياة أكثر استقراراً، لكنه اضطر إلى التخلي عنها. وهناك من غادر وظيفته نهائياً لأنه لم يجد سبيلاً آخر لتحسين دخله. وهناك من خسر فرصة لاكتساب خبرات كان يمكن أن يعود بها إلى وطنه أكثر كفاءة وقدرة على العطاء.

ولم تتوقف الآثار عند حدود الأفراد. فحين يغادر موظف وظيفته نهائياً بدل أن يحصل على إجازة نظامية، تخسر المؤسسة خبرته، وتخسر الدولة كفاءة استثمرت في إعدادها سنوات طويلة. وحين تضيع فرص العمل الخارجية، لا يخسر الموظف وحده، بل يخسر الاقتصاد الوطني أيضاً؛ فالموظف المحال على إجازة بدون راتب لا يمثل أي عبء مالي على الخزينة، بل يتحول إلى سفير ومورد اقتصادي يرفد الوطن بالعملة الصعبة من خلال تحويلات المغتربين، ويدعم القوة الشرائية والاستقرار النفسي لآلاف الأسر.

وهنا تكمن القضية الحقيقية. فالدولة الحديثة لا تنظر إلى الموظف على أنه رقم في كشف الرواتب، بل باعتباره رأس مال بشرياً. وكل سياسة تمس هذا الرأس المال ينبغي أن تُدرس من جميع الزوايا؛ الإدارية، والاقتصادية، والاجتماعية، وحتى النفسية؛ لإنهاء حالة القلق وتلك المعادلة الصفرية التي تضع الكفاءات بين خيارين أحلاهما مُرّ: إما خسارة المستقبل بالخارج أو خسارة الأمان الوظيفي بالداخل. فالتوازن بين مصلحة المؤسسة وحق الإنسان في تحسين حياته ليس كماليات إدارية ، بل أحد معايير الإدارة الرشيدة.

ولهذا، فإن القرار الجديد لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية للملف، بل بداية لمرحلة جديدة في التفكير الإداري. فالسياسات العامة ليست نصوصاً مقدسة، وإنما أدوات لتحقيق المصلحة العامة. وإذا أثبتت التجربة أن أداة ما لم تحقق الغاية المرجوة، فإن تعديلها ليس اعترافاً بالفشل، بل دليل على حيوية الدولة وقدرتها على التعلم من تجربتها.

لم يكن الخطأ يوماً في أن تُراجع الدولة سياساتها، فالخطأ الحقيقي أن ترفض مراجعتها رغم أن الواقع يبعث بإشارات واضحة تدعو إلى ذلك. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للقرار الذي اتخذته حكومة الدكتور جعفر حسان لا تكمن في تعديل نص نظامي فحسب، بل في تكريس مبدأ بالغ الأهمية في الإدارة العامة، وهو أن السياسة الرشيدة هي التي تخضع للاختبار، وتُقاس بنتائجها، وتُصحح عندما تستدعي المصلحة الوطنية ذلك.

ومن الإنصاف أيضاً أن يُقال إن هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد أن تكلم الواقع بلغة لا يمكن تجاهلها. فالسنوات الماضية قدمت تجربة عملية بكل ما فيها من نجاحات وتحديات، وأثبتت أن بعض السياسات تحتاج إلى مراجعة كلما تغيرت الظروف أو ظهرت نتائج لم تكن متوقعة عند إقرارها. وهنا تُقاس الحكومات بقدرتها على الإصغاء إلى الواقع، لا بقدرتها على التمسك بما مضى.

لكن، في المقابل، يبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بكل هدوء ومسؤولية: إذا كانت هذه المراجعة ضرورية اليوم، فلماذا لم تُجرَ في وقت أبكر؟ وأين كانت دراسات الأثر التي يفترض أن تسبق القرارات التي تمس حياة آلاف الأسر؟ وهل كانت النتائج التي تكشفت لاحقاً قابلة للتوقع لو أُجريت مراجعات دورية للسياسات منذ البداية؟

هذه الأسئلة ليست بحثاً عن متهم، ولا محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإنما دعوة إلى ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل تقييم الأثر جزءاً أصيلاً من صناعة القرار العام. فالدولة لا تتعلم من أخطائها بإخفائها، بل بتحويلها إلى خبرة تمنع تكرارها.

ولعل أهم ما يجب أن يخرج به هذا الملف أن الإنسان يجب أن يبقى محور كل سياسة عامة. فالموظف الذي يبحث عن فرصة عمل أفضل لا يفعل ذلك هروباً من وطنه، بل بحثاً عن مستقبل أكثر استقراراً له ولأسرته. وعندما يعود بخبرة جديدة أو بعلاقات مهنية أوسع أو بقدرة مالية أفضل، فإن المستفيد في النهاية هو الوطن أيضًا. لذلك فإن الإدارة الذكية لا تنظر إلى حركة الكفاءات بمنطق الخسارة، بل بمنطق الاستثمار في الإنسان.

ومن هنا، فإن قرار إعادة تنظيم الإجازة بدون راتب لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره استجابة لمطلب وظيفي فقط، بل باعتباره خطوة تؤكد أن الدولة الأردنية قادرة على تطوير أدواتها، وتنسجم مباشرة مع روح ورؤية التحديث الإداري؛ إدارة تمتلك المرونة التي تجعلها أقرب إلى واقع الناس، وأكثر قدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات الإدارة واحتياجات المجتمع.

ويبقى الدرس الأهم أن السياسات العامة لا تُبنى على حسن النية وحده، وإنما على القراءة الدقيقة للواقع، ودراسة الأثر قبل التطبيق، وقياس النتائج بعد التنفيذ، والاستعداد للمراجعة كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك. فهذه هي الإدارة التي تبني الثقة، وتحمي القرار، وتعزز هيبة الدولة، لأنها تربطها بالحكمة لا بالجمود.

ويُحسب لحكومة الدكتور جعفر حسان أنها اختارت هذا الطريق، طريق المراجعة والتصويب، وهو نهج يستحق التقدير، لأنه يرسخ ثقافة مؤداها أن قوة الدولة لا تكمن في الإصرار على كل قرار اتخذته في الماضي، بل في قدرتها على اتخاذ القرار الصحيح عندما تتغير المعطيات.

لقد أنصف القرار الجديد شريحة واسعة من أبناء القطاع العام، وأعاد فتح نافذة كانت قد أُغلقت في وجوه كثيرين. أما التحدي الأكبر، فهو أن تتحول هذه التجربة إلى محطة تتعلم منها مؤسسات الدولة جميعاً؛ فلا يكون تصويب السياسات استثناءً تفرضه الظروف، بل نهجاً دائماً يسبق المشكلات قبل أن تتفاقم.

وفي النهاية، ستبقى قيمة هذا القرار أكبر من تعديل مادة في نظام للموارد البشرية. لقد أعاد التذكير بحقيقة بسيطة، لكنها جوهرية: أن الدولة تكبر كلما امتلكت شجاعة مراجعة نفسها، وأن المواطن تزداد ثقته بها عندما يرى أن صوته وتجربته يمكن أن يتحولا إلى سياسة أكثر عدلاً، وقرار أكثر حكمة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم