الدكتور علي الصلاحين يكتب: ليس كل ما يُسمع يُقال .. الكلمة أمانة قبل أن تكون منشورًا

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 12578
الدكتور علي الصلاحين يكتب: ليس كل ما يُسمع يُقال ..  الكلمة أمانة قبل أن تكون منشورًا
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

ليس كل ما يُسمع يُقال... الكلمة أمانة قبل أن تكون منشورًا الدكتور علي الصلاحين لم يعد العالم اليوم يعاني من ندرة المعلومات، بل من وفرتها غير المنضبطة. فالمشكلة لم تعد في الوصول إلى الخبر، وإنما في التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين المعلومة الموثقة والرواية المتداولة. لقد أصبح الإنسان يعيش وسط سيل متدفق من الأخبار والتسجيلات والصور والتعليقات، حتى غدت الحقيقة نفسها تحتاج إلى من يبحث عنها بين ضجيج الشائعات. وفي خضم هذا التدفق الهائل، نشأت ثقافة جديدة تُكافئ السرعة أكثر مما تُكافئ الدقة. فصار بعض الناس يتعامل مع إعادة النشر على أنها مشاركة عابرة لا تستدعي مسؤولية، بينما هي في حقيقتها فعل أخلاقي وقانوني واجتماعي قد يترتب عليه ظلم إنسان، أو تشويه سمعة، أو إثارة فتنة، أو صناعة رأي عام يقوم على الوهم لا على الحقيقة. ومن هنا تتجلى عظمة التوجيه النبوي الذي سبق كل مواثيق الإعلام وأخلاقيات النشر، حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع». فهذا الحديث لا ينهى عن الكذب المصنوع فحسب، بل يحمّل الإنسان مسؤولية الكذب المنقول أيضًا، لأن الناقل يصبح جزءًا من سلسلة الباطل إذا لم يتثبت مما ينقل. ويؤكد القرآن الكريم هذا المبدأ الخالد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. فالتبين ليس إجراءً شكليًا، بل هو حماية للعدالة، وصيانة لكرامة الإنسان، وضمانة ألا تتحول الكلمة إلى أداة ظلم بأيدي أصحابها. ولعل أخطر ما في عصر التواصل الرقمي أن الكذب لم يعد يحتاج إلى خطيب مفوه أو صحيفة واسعة الانتشار؛ بل يكفي هاتف صغير وإصبع متعجل ليبدأ خبر غير صحيح رحلة قد لا تتوقف. وما يزيد الأمر خطورة أن الخوارزميات تكافئ الإثارة أكثر من الحقيقة، فينتشر الخبر الصادم أسرع من الخبر الصحيح، ويجد الكذب أحيانًا من يروّجه قبل أن يجد الصدق من يدافع عنه. وليس كل ما ينتشر يستحق التصديق، فهناك فرق بين الشهرة والمصداقية، وبين كثرة التداول وصحة المحتوى. فقد يتناقل آلاف الأشخاص خبرًا واحدًا، ويبقى مع ذلك خبرًا كاذبًا، لأن الحقيقة لا تُقاس بعدد من يرددها، وإنما بما تستند إليه من دليل وبرهان. إن أخطر ما تفعله الشائعات أنها لا تقتل الأشخاص، بل تقتل الثقة. فإذا فقد الناس ثقتهم ببعضهم، وبالمؤسسات، وبالإعلام، أصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام الإشاعات والتضليل والانقسام. وعندما تضيع الثقة، يصبح الكذب بيئة خصبة، ويغدو الصدق غريبًا يحتاج إلى من يثبت وجوده. ولذلك فإن الوعي الحقيقي لا يتمثل في أن تكون أول من ينشر الخبر، بل في أن تكون آخر من يصدق الشائعة حتى تقوم عليها البينة. فالتريث ليس ضعفًا، والصمت ليس عجزًا، بل قد يكونان أعلى درجات الحكمة. وما أجمل أن يعتاد الإنسان سؤال نفسه قبل أن يضغط زر الإرسال: هل أعلم أن هذا صحيح؟ وهل في نشره نفع للناس؟ وهل أتحمل مسؤوليته أمام الله وأمام ضميري لو ثبت أنه غير صحيح؟ إن الكلمة ليست أصواتًا عابرة، بل آثارًا تبقى بعد أن يغيب قائلها. وقد تبني ثقة امتدت سنوات، أو تهدمها في لحظة، وقد تزرع طمأنينة في النفوس، أو توقظ فتنة يصعب إخمادها. ولهذا كانت مسؤولية الكلمة من أعظم المسؤوليات، لأنها تمس العقول والقلوب والحقوق معًا. إن المجتمعات لا يحميها القانون وحده، وإنما يحميها أيضًا ضمير أفرادها. وحين يدرك كل إنسان أن إعادة النشر شهادة، وأن السكوت عن الشائعة قد يكون عبادة، وأن التثبت خلقٌ وعدلٌ وأمانة، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مقاومة الكذب وصناعة الحقيقة. فالكلمة أمانة قبل أن تكون منشورًا، والصدق مسؤولية قبل أن يكون فضيلة، ومن جعل الحقيقة معيارًا لكلامه، والتثبت منهجًا في حياته، أسهم في بناء مجتمع يحترم الإنسان، ويصون الكرامة، ويجعل الثقة رأس ماله الحقيقي.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم