في المجتمعات التي تعاني من ضعف المؤسسات وتراجع الكفاءة وغياب المساءلة، لا يكون الفشل دائماً نتيجة نقص الموارد أو الإمكانات، بل قد يتحول إلى منظومة متكاملة لإنتاج الوهم، وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ "فن الضحك على الذقون"؛ وهو القدرة على استبدال الإنجاز الحقيقي بالاستعراض، والنتائج الفعلية بالشعارات، والتنمية الملموسة بالمهرجانات والمؤتمرات والوعود المؤجلة. هذه الظاهرة ليست مجرد سلوك إداري عابر، بل هي حالة اجتماعية واقتصادية وسياسية معقدة، تتغذى من اختلال العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين المسؤول والمواطن، وبين الخطاب الاستعراضي والواقع. هذه الظاهرة التي أصبحت الصورة الوحيدة لفشل المنظومة الإدارية في العديد من بلدان ما يسمّى مجازاً بالعالم الثالث؛ والواقع هو العالم المتخلف، لها أبعاد ومظاهر متعددة، منها: في البعد الاجتماعي حين يفقد الناس قدرتهم على التأثير في واقعهم، يصبح الأمل سلعة ثمينة، حتى لو كان وهماً، ولذلك تنجح بعض المؤسسات الفاشلة في تسويق مشاريعها وخططها رغم سجلها الطويل من الإخفاقات. فالإنسان بطبيعته يميل إلى تصديق ما يمنحه أملاً بالخلاص، خصوصاً إذا كان يعيش ظروفاً اقتصادية أو اجتماعية صعبة، ومع مرور الزمن تتشكل حالة يمكن تسميتها بـ"الإدمان على الوعود"، حيث يتلقى المجتمع سلسلة متواصلة من المشاريع المعلنة واللجان المشكلة والاستراتيجيات الجديدة، دون أن يرى نتائج ملموسة على الأرض، وفي هذه البيئة ينقسم الناس إلى ثلاث فئات؛ فئة تعرف الحقيقة لكنها صامتة خوفاً أو مصلحة أو تهميشاً مبرمجاً، وفئة مستفيدة من استمرار الوهم فتعمل على ترويجه، وهي فئة مروِّجي الوهم وأذنابها، وفئة ثالثة واسعة من البسطاء تتعلق بأي بارقة أمل، ولو كانت سراباً، وهنا يصبح التصفيق بديلاً عن التفكير، والانبهار بديلاً عن التقييم، والولاء المُتَصَنّع للخطاب بديلاً عن مساءلة الواقع. في البعد الاقتصادي السليم تُقاس المؤسسات بما تنتجه من قيمة مضافة وفرص عمل وخدمات حقيقية، أما في اقتصاد الوهم فإن النجاح يُقاس بعدد المؤتمرات واللافتات والصور والتصريحات الإعلامية. وتبدأ المشكلة عندما تتحول الموارد المحدودة إلى أدوات دعائية بدلاً من أن تكون أدوات تنموية، فتُنفق الأموال على حملات الترويج والاحتفالات وإنتاج التقارير الملونة، بينما تبقى المشكلات الأساسية كما هي، ويظهر هنا ما يمكن تسميته بـ"التضخم الدعائي"، حيث يزداد حجم الخطاب الإعلامي كلما تراجع حجم الإنجاز الحقيقي؛ فكلما فشلت مؤسسة في تحقيق أهدافها، احتاجت إلى جرعات أكبر من الدعاية لتغطية الفجوة بين الواقع والصورة التي تريد رسمها عن نفسها. ولأن النتائج الحقيقية غائبة، يصبح الحديث عن "الخطط المستقبلية" هو المنتج الوحيد المتاح للتسويق؛ إنها حالة اقتصادية غريبة يتم فيها استهلاك الأمل أكثر من إنتاج التنمية. أما في البعد السياسي الأنظمة والمؤسسات التي تفتقر إلى آليات المساءلة الفعالة، يمكن للخطاب أن يحل محل الإنجاز لفترات طويلة؛ فالمسؤول الذي يعلم أن بقاءه لا يعتمد على النتائج، بل على قدرته في إدارة الصورة العامة، سيهتم بالصورة أكثر من الواقع، ومن هنا تنشأ ثقافة سياسية خطيرة تقوم على الإعلان أكثر من التنفيذ، والتبرير أكثر من التقييم، والترويج أكثر من الإنتاج، وصناعة الانطباعات أكثر من صناعة الحقائق، ومع الوقت تصبح المؤسسة منشغلة بالدفاع عن سمعتها أكثر من انشغالها بأداء رسالتها، وتتحول حينها العلاقات العامة إلى إدارة بديلة عن الإدارة الفعلية. قد ينجح هذا الأسلوب أحياناً لأن الإنسان لا يعيش بالحقائق وحدها، بل يعيش أيضاً بالآمال والتوقعات، وعندما يكون الواقع قاسياً، تصبح الأكاذيب المريحة أكثر قبولاً من الحقائق المؤلمة، كما أن كثيراً من المجتمعات تعاني من ضعف الوصول إلى المعلومات الدقيقة، فيصبح تقييم الأداء الحقيقي أمراً صعباً، بينما تكون الشعارات والاحتفالات والصور أكثر حضوراً وتأثيراً، ويضاف إلى ذلك أن بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عما يؤكد قناعاتهم المسبقة أو يخفف إحباطهم. من هم "الرعاع" في المعنى الاجتماعي؟ الرعاع ليسوا طبقة اجتماعية أو اقتصادية، بل حالة ذهنية، فقد يكون الإنسان متعلماً ويحمل أعلى الشهادات، لكنه يتحول إلى جزء من حالة الرعاعيّة عندما يتخلى عن التفكير النقدي ويستبدل السؤال بالتصفيق، وقد يكون بسيطاً محدود التعليم، لكنه أكثر وعياً عندما يطالب بالدليل والنتيجة ويقيس الأقوال بالأفعال؛ فالمجتمعات لا تُخدع بسبب جهل بعض أفرادها فقط، بل بسبب استعداد أعداد كبيرة منها لتصديق ما ترغب في سماعه. أما الوجه الأخطر للظاهرة الخطر الحقيقي لا يكمن في الوعد الكاذب ذاته، بل في تكراره، فحين تتكرر الوعود دون نتائج، يحدث تآكل تدريجي للثقة العامة، ويبدأ المواطن بفقدان ثقته في المؤسسات والقوانين والخطط والمسؤولين، وعند هذه المرحلة يصبح المجتمع ضحية مزدوجة: فهو لم يحصل على التنمية الموعودة، وفقد في الوقت نفسه ثقته بالأدوات التي يمكن أن تحققها، وحين تنهار الثقة تصبح إعادة بنائها أصعب بكثير من بناء الطرق أو المباني أو المشاريع. والنتيجة الطبيعية إن "الضحك على الذقون" ليس مجرد خداع إعلامي عابر، بل هو أسلوب حكم وإدارة يقوم على استبدال الواقع بالصورة، والإنجاز بالوعد، والحقيقة بالدعاية، وكلما ضعفت المحاسبة، واتسعت الفجوة بين من يملكون القرار ومن يدفعون ثمنه، ازدهرت هذه الصناعة. أما العلاج فلا يكون بمزيد من الخطابات، بل بربط السُلطة بالمسؤولية، والوعود بالنتائج، والصورة بالحقيقة، وإخضاع الجميع لمعيار واحد بسيط: ليس المهم ما يُقال للناس، بل ما يتغير فعلاً في حياتهم، فالمجتمعات لا تنهض بكثرة الوعود، بل بصدق الإنجاز؛ ولا يحمي كرامة الناس خطابٌ بليغ، بل مؤسسات عادلة تُطبق القانون على الجميع، فلا يبقى القانون سوطاً على الضعفاء ودرعاً للأقوياء.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات