في عالم السياسة، لم تعد الأزمات تُدار داخل غرف مغلقة، بل أصبحت تُدار كما لو أنها حفلة شعبية كبيرة، يتصدر منصتها عازف واحد، بينما يقف الآخرون في دائرة واسعة ينتظرون بداية الإيقاع. ومن يحفظ اللحن أولًا، يبدأ بالرقص قبل الجميع.
اليوم، تبدو الساحة الدولية وكأنها تؤدي رقصة الليوة؛ ذلك الفن الشعبي الذي تعود جذوره إلى شرق أفريقيا، وانتقل عبر طرق التجارة البحرية ليستقر في سواحل الخليج العربي، حيث تتداخل الطبول والمزامير في إيقاع متصاعد يجذب الجميع إلى الدائرة. غير أن "الليوة السياسية" التي نشاهدها اليوم تختلف كثيرًا؛ فالعازف هذه المرة هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والطبول ليست إلا تصريحات متناقضة تتأرجح بين الحرب والدبلوماسية تجاه إيران.
ما إن يلوح ترامب بورقة التصعيد العسكري، حتى ترتفع الطبول، ويبدأ النفط بالصعود، وتقفز أسعار الذهب، وتتسابق البورصات إلى اللون الأحمر، وكأن الاقتصاد العالمي تلقى إشارة البدء. وما إن يتحدث عن التفاوض أو يمنح مهلة جديدة، حتى يتغير الإيقاع، فتعود الأسواق إلى التقاط أنفاسها، قبل أن تبدأ جولة جديدة من العزف.
اللافت أن كثيرًا من الأنظمة السياسية لم تعد تتابع الأحداث، بل تتابع الإيقاع الأمريكي. فمن يحفظ اللحن جيدًا، يعرف متى يصفق، ومتى يصدر بيان التأييد، ومتى يعلن القلق، ومتى يلتزم الصمت. وهكذا تتحول السياسة الدولية إلى دائرة واسعة، يتحرك فيها الجميع وفق سرعة الطبول القادمة من واشنطن.
لكن خلف هذا المشهد الاستعراضي، تدور عملية أكثر تعقيدًا. فالتأرجح بين الحرب والدبلوماسية لا يبدو مجرد ارتباك في القرار، بل قد يكون وسيلة لإبقاء العالم في حالة انتظار دائم، بما يسمح بإعادة رسم خرائط النفوذ، وإعادة توجيه الاستثمارات، وتغيير مسارات التجارة والطاقة، وإجبار الحلفاء والخصوم معًا على إعادة حساباتهم.
إنها صورة من صور "الهدم الخلّاق"، حيث لا يكون الهدم عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا وسياسيًا ونفسيًا. فالاقتصاد العالمي يُستنزف، وسلاسل الإمداد تُعاد صياغتها، والتحالفات تُختبر تحت ضغط الأزمات المتكررة، فيما تتبدل موازين القوة بهدوء، وكأن الجميع يشارك في الرقصة دون أن يدرك أن الموسيقى كُتبت مسبقًا.
والمفارقة الساخرة أن دولًا كثيرة ترفع شعار الاستقلال في القرار السياسي، لكنها لا تزال تنتظر النغمة التالية القادمة من البيت الأبيض قبل أن تحدد موقفها. حتى الأسواق العالمية أصبحت تتفاعل مع التغريدة قبل البيان الرسمي، ومع التلميح أكثر من القرار نفسه.
وفي نهاية الرقصة، يكتشف كثيرون أنهم ظلوا يدورون في الحلقة نفسها؛ يتغير الإيقاع، وتتبدل الوجوه، لكن قائد الفرقة لا يزال يمسك بالعصا، فيما يواصل الآخرون الدوران، ظنًا منهم أنهم يختارون خطواتهم، بينما كانوا، في الحقيقة، يتحركون على نغمٍ يعزفه غيرهم.
وهكذا، بين طبول التصعيد وهمسات الدبلوماسية، تستمر "الليوة السياسية" في اجتذاب العالم إلى دائرتها، بينما يبقى السؤال مفتوحًا: هل يملك أحدٌ الشجاعة لكسر الإيقاع، أم أن الجميع سيواصل الرقص حتى تتوقف الموسيقى؟
اليوم، تبدو الساحة الدولية وكأنها تؤدي رقصة الليوة؛ ذلك الفن الشعبي الذي تعود جذوره إلى شرق أفريقيا، وانتقل عبر طرق التجارة البحرية ليستقر في سواحل الخليج العربي، حيث تتداخل الطبول والمزامير في إيقاع متصاعد يجذب الجميع إلى الدائرة. غير أن "الليوة السياسية" التي نشاهدها اليوم تختلف كثيرًا؛ فالعازف هذه المرة هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والطبول ليست إلا تصريحات متناقضة تتأرجح بين الحرب والدبلوماسية تجاه إيران.
ما إن يلوح ترامب بورقة التصعيد العسكري، حتى ترتفع الطبول، ويبدأ النفط بالصعود، وتقفز أسعار الذهب، وتتسابق البورصات إلى اللون الأحمر، وكأن الاقتصاد العالمي تلقى إشارة البدء. وما إن يتحدث عن التفاوض أو يمنح مهلة جديدة، حتى يتغير الإيقاع، فتعود الأسواق إلى التقاط أنفاسها، قبل أن تبدأ جولة جديدة من العزف.
اللافت أن كثيرًا من الأنظمة السياسية لم تعد تتابع الأحداث، بل تتابع الإيقاع الأمريكي. فمن يحفظ اللحن جيدًا، يعرف متى يصفق، ومتى يصدر بيان التأييد، ومتى يعلن القلق، ومتى يلتزم الصمت. وهكذا تتحول السياسة الدولية إلى دائرة واسعة، يتحرك فيها الجميع وفق سرعة الطبول القادمة من واشنطن.
لكن خلف هذا المشهد الاستعراضي، تدور عملية أكثر تعقيدًا. فالتأرجح بين الحرب والدبلوماسية لا يبدو مجرد ارتباك في القرار، بل قد يكون وسيلة لإبقاء العالم في حالة انتظار دائم، بما يسمح بإعادة رسم خرائط النفوذ، وإعادة توجيه الاستثمارات، وتغيير مسارات التجارة والطاقة، وإجبار الحلفاء والخصوم معًا على إعادة حساباتهم.
إنها صورة من صور "الهدم الخلّاق"، حيث لا يكون الهدم عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا وسياسيًا ونفسيًا. فالاقتصاد العالمي يُستنزف، وسلاسل الإمداد تُعاد صياغتها، والتحالفات تُختبر تحت ضغط الأزمات المتكررة، فيما تتبدل موازين القوة بهدوء، وكأن الجميع يشارك في الرقصة دون أن يدرك أن الموسيقى كُتبت مسبقًا.
والمفارقة الساخرة أن دولًا كثيرة ترفع شعار الاستقلال في القرار السياسي، لكنها لا تزال تنتظر النغمة التالية القادمة من البيت الأبيض قبل أن تحدد موقفها. حتى الأسواق العالمية أصبحت تتفاعل مع التغريدة قبل البيان الرسمي، ومع التلميح أكثر من القرار نفسه.
وفي نهاية الرقصة، يكتشف كثيرون أنهم ظلوا يدورون في الحلقة نفسها؛ يتغير الإيقاع، وتتبدل الوجوه، لكن قائد الفرقة لا يزال يمسك بالعصا، فيما يواصل الآخرون الدوران، ظنًا منهم أنهم يختارون خطواتهم، بينما كانوا، في الحقيقة، يتحركون على نغمٍ يعزفه غيرهم.
وهكذا، بين طبول التصعيد وهمسات الدبلوماسية، تستمر "الليوة السياسية" في اجتذاب العالم إلى دائرتها، بينما يبقى السؤال مفتوحًا: هل يملك أحدٌ الشجاعة لكسر الإيقاع، أم أن الجميع سيواصل الرقص حتى تتوقف الموسيقى؟
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات