د. دانييلا القرعان يكتب: قانون الجامعات الأردنية .. إصلاحٌ حقيقي أم إعادة هندسة للنفوذ؟

منذ 50 دقيقة
المشاهدات : 7937
د. دانييلا القرعان يكتب: قانون الجامعات الأردنية ..  إصلاحٌ حقيقي أم إعادة هندسة للنفوذ؟
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

كلما طُرح تعديل لقانون الجامعات الأردنية، ينشغل الرأي العام بالسؤال المعتاد: هل ستتحسن الجامعات؟ لكن ربما يكون السؤال الأهم: من سيمتلك القرار داخل الجامعة بعد التعديل؟

فالجامعات ليست مجرد قاعات تدريس، بل مؤسسات تُخرّج قيادات المجتمع، وتدير مليارات الدنانير من الأصول والموازنات، وتؤثر في مئات آلاف الطلبة. لذلك فإن أي تعديل في قانونها يتجاوز البعد الأكاديمي إلى البعد الإداري والسياسي والاقتصادي.

التعديلات الأخيرة تحمل عنواناً جاذباً هو "الحوكمة" و"رفع الكفاءة". وهي أهداف لا يختلف عليها اثنان. لكن التجارب علمتنا أن العبرة ليست في الشعارات، بل في التطبيق.

تقليص عدد أعضاء مجالس الأمناء قد يجعل القرار أسرع، لكنه يثير سؤالاً آخر: هل سيصبح القرار أكثر استقلالاً، أم أكثر تركيزاً في أيدي عدد أقل من الأشخاص؟ فالإدارة الرشيقة ميزة، لكنها لا ينبغي أن تكون على حساب تنوع الآراء والرقابة المتبادلة.

كما أن منح مجالس الأمناء دوراً أكبر في اختيار رؤساء الجامعات قد يكون خطوة إيجابية إذا كانت معايير الاختيار معلنة وتنافسية وشفافة. أما إذا بقيت المعايير غير واضحة للرأي العام، فإن الجدل سيستمر مع كل تعيين جديد، وسيبقى الحديث عن الأشخاص أقوى من الحديث عن البرامج والإنجازات.

المشكلة الحقيقية في التعليم العالي الأردني ليست قانوناً فقط. إنها تبدأ من سؤال أبسط: لماذا تتراجع بعض جامعاتنا في التصنيفات العالمية؟ ولماذا يشكو أصحاب العمل من الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق؟ ولماذا يهاجر كثير من الباحثين والأكاديميين المتميزين عندما تتاح لهم الفرصة؟

هذه الأسئلة لن يجيب عنها أي تعديل قانوني إذا لم يصاحبه إصلاح إداري وأكاديمي حقيقي، يربط التمويل بالأداء، ويمنح الجامعة حرية أوسع في الابتكار، ويجعل رئيس الجامعة مسؤولاً عن النتائج لا عن إدارة الروتين.

الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح الجامعة قادرة على اختيار أفضل كفاءاتها، واستقطاب أفضل الباحثين، ومحاسبة المقصرين، بعيداً عن أي اعتبارات لا علاقة لها بالإنجاز.

لذلك، فإن الحكم على القانون يجب أن يتأجل إلى ما بعد التطبيق. فإذا أنتج جامعات أكثر استقلالاً، وأكثر قدرة على المنافسة، فسيكون محطة إصلاحية مهمة. أما إذا اقتصر على إعادة توزيع الصلاحيات داخل المنظومة نفسها، فلن يشعر الطالب، ولا الأستاذ، ولا المجتمع بأي فرق حقيقي.

إن الأردن اليوم لا يحتاج إلى تعديل أسماء المواقع الإدارية داخل الجامعات، بقدر ما يحتاج إلى ثورة هادئة في جودة التعليم، والبحث العلمي، والابتكار، وربط الجامعة بالتنمية الوطنية. فالقوانين قد تغيّر الهياكل، لكن المستقبل لا تصنعه الهياكل وحدها، بل تصنعه الكفاءات حين تُمنح الثقة والحرية والمسؤولية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم