محمد علي الزعبي يكتب: الشرق الأوسط على حافة الانفجار .. أين المشروع العربي؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11010
محمد علي الزعبي يكتب: الشرق الأوسط على حافة الانفجار ..  أين المشروع العربي؟
محمد علي الزعبي

محمد علي الزعبي

لم تعد الحرب القادمة احتمالًا بعيدًا، بل أصبحت واقعًا يتشكل بصمت، فيما تتبدل الخرائط السياسية والعسكرية بوتيرة غير مسبوقة، وتتحول المنطقة العربية إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، فكل يوم يمر دون مشروع عربي جامع، يقابله تمدد جديد لمشاريع الآخرين على حساب الأمن القومي العربي.

إن المشهد لم يعد مجرد صراع بين دول، بل صراع بين مشاريع متنافسة، لكل منها أدواته وأذرعه وأهدافه، فالمشروع الإيراني، الذي رفع شعارات المقاومة لعقود، ارتبط في عدد من الدول العربية بتوسيع النفوذ عبر الجماعات المسلحة، وإضعاف مؤسسات الدولة الوطنية، وتغذية الانقسامات المذهبية والسياسية، حتى تحولت عواصم عربية إلى ساحات صراع مفتوحة، واستنزفت مقدرات شعوبها واقتصاداتها.

وفي الجهة الأخرى، تمضي إسرائيل في تنفيذ مشروعها الاستراتيجي القائم على فرض الوقائع بالقوة، وتوسيع نفوذها العسكري والسياسي، مستفيدة من الانقسام العربي، ومن حالة الفوضى التي أنهكت المنطقة، فكلما تراجعت الدولة العربية، اتسعت مساحة الحركة أمام المشروع الإسرائيلي، وكلما اشتدت الخلافات العربية، اقتربت إسرائيل أكثر من تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

أما الولايات المتحدة، فإن أولويتها تبقى حماية مصالحها الاستراتيجية في الخليج العربي، وضمان أمن الممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، والحفاظ على ميزان القوى الذي يخدم مصالحها العالمية، ومن هذا المنظور، تبدو المنطقة بالنسبة للقوى الكبرى ساحة لإدارة المصالح أكثر من كونها ساحة لبناء السلام.

وفي خضم هذا المشهد، تتداول أوساط سياسية وإعلامية تحليلات تتحدث عن وجود تقاطعات في المصالح أو قنوات تواصل غير معلنة بين خصوم ظاهرين، إلا أن كثيرًا من هذه الطروحات، بما فيها الحديث عن تنسيق استخباري مباشر بين إيران وإسرائيل، لم تُثبت بأدلة علنية قاطعة، لكن النتيجة التي لا خلاف عليها هي أن استمرار التوتر والصراعات يخدم بقاء المنطقة في حالة إنهاك دائم، ويؤخر أي مشروع عربي مستقل.

لقد أثبتت العقود الماضية أن الرهان على الخارج لم ينتج أمنًا مستدامًا، وأن الاتفاقيات الثنائية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن منظومة عربية متماسكة تمتلك قرارها السياسي والاقتصادي والأمني. فالأمن العربي لا يُستورد، والسيادة لا تُمنح، والاستقرار لا يبنى على إرادة الآخرين.

ومن هنا، فإن المرحلة تستوجب مبادرة عربية تاريخية تبدأ بعقد قمة عربية طارئة لوضع رؤية جديدة للأمن القومي العربي، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والخلافات المرحلية.

ويجب أن تخرج هذه القمة بقرارات غير تقليدية؛ في مقدمتها وضع الأسس القانونية والسياسية لتشكيل نواة قوة دفاع عربية مشتركة، تعمل وفق عقيدة عسكرية موحدة، وتكون قادرة على حماية الأمن العربي ومواجهة التهديدات المشتركة، مع تعزيز التصنيع العسكري العربي وتبادل الخبرات والقدرات الدفاعية.

وبالتوازي مع ذلك، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة صياغة رؤية عربية موحدة للعلاقات الدولية، تقوم على استقلال القرار العربي، وتنويع الشراكات، وعدم الارتهان لأي محور دولي، بما ينسجم مع مصالح الدول العربية وسيادتها.

أما المعركة الاقتصادية، فهي لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية، فالمطلوب إطلاق استراتيجية اقتصادية عربية شاملة، تقوم على التكامل في مجالات الصناعة والطاقة والزراعة والنقل والتكنولوجيا، وتعزيز التجارة البينية، وربط الأسواق العربية، وإنشاء صناديق استثمار وتمويل مشتركة، بما يحول العالم العربي من سوق استهلاكية إلى قوة إنتاجية مؤثرة.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي لا تمتلك مشروعًا موحدًا، تتحول إلى ساحات لمشاريع الآخرين،، والمنطقة العربية اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما أن تستمر في إدارة الأزمات، وإما أن تبدأ بصناعة المستقبل.

إن الحرب القادمة، إن وقعت، لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، بل ستكون معركة على هوية المنطقة، وعلى قرارها السياسي، وعلى مستقبل أجيالها،، والسؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر؟ بل: هل يمتلك العرب مشروعًا يحميهم قبل أن تُفرض عليهم خرائط جديدة لا مكان فيها إلا للأقوياء؟

لقد آن الأوان لأن يولد مشروع عربي جديد، عنوانه وحدة القرار، واستقلال الإرادة، وتكامل الاقتصاد، وحماية الأمن القومي العربي. فالأوطان لا يحميها انتظار المتغيرات، بل تصنع مستقبلها عندما تمتلك إرادتها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم