يوسف الطورة يكتب: حين كان الحب رغيف خبز .. ذاكرة بيت فقير

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 8023
 يوسف الطورة يكتب: حين كان الحب رغيف خبز ..  ذاكرة بيت فقير

سرايا - طفولتي كانت صامتة وفقيرة، ليس لأن الفقر كان مأساة بل لأنه كان عادياً في بلدتي الجنوبية النائية، كان علينا أن نصمت كي لا نوقظ الألم النائم في البيت.

طفولتي لم تكن استثنائية، ولم تكن مأساتها في الفقر وحده، كان الفقر أمراً عادياً جزءا من تفاصيل حياة بلدتي اليومية، كنا نعيش كما يعيش الجميع، نقتسم القليل ونعتاد النقص حتى يصبح جزءاً من تكويننا

كنا نكبر ونحن نعتقد أن هذا هو شكل الحياة الطبيعي، وأن البيوت الصامتة والجيوب الفارغة قدر لا يستحق السؤال أو الخروج عليه، حتى إن أحداً لم يكن يملك رفاهية الشكوى.

في بيتنا كان علينا أن نتحدث همساً، لا خوفاً من أحد بل كي لا نوقظ الألم النائم بين الجدران، ولكل طريقته في احتمال الحياة.

أمي كانت تعمل في صمت يشبه التعب الطويل، بالكاد تتكلم، تعمل بصبر لا ينتهي تؤدي واجباتها البيتية دون أن تشتكي، دون أن تمنح الكلمات فرصة للخروج من قلبها.

لا أتذكر حضناً طويلاً،، لا قبلة صباح، ولا كلمة حنان بقي صداها في الذاكرة، كان الحب موجوداً لكنه مختبئاً خلف التعب والخوف وضيق الحال.

كانت أمي تمنحنا حبها على هيئة رغيف خبز، وثوب نظيف، وسهر طويل، لكن الأطفال لا يقرأون الحب بهذه اللغة إلا بعد أن يكبروا.

كنت أعرف الحب لكني لم ألمسه لهذا حين بدأت أكتب لم أبحث عن شهرة ولا عن التصفيق، أردت فقط أن أصنع وطناً لكلماتي لأن الطفولة لم تمنحني وطناً.

في طفولتي كنت أعيش في عالمين، الأول كان عالم البيت نظيفاً مرتباً متديناً، حيث الكلمات محدودة محسوبة، والأفعال مراقبة، والله حاضر في كل لحظة، هناك كنت طفلاً مطيعاً خائفاً يسأل كثيراً ولا يجد إلا القليل من الإجابات.

أما العالم الثاني فكان عالم الظلال الشارع والأحلام،، والخوف من الجحيم كأنني أعيش بين نور لا يدفئ، وظلام لا يغلق، كنت أظن أنني وحدي من يرى هذا الانقسام، وأنني طفل شرير لأنني لا أنتمي بالكامل لأي من العالمين.

لم أكن سعيدا بل كنت ممزقاً، وكلما كبرت ازددت يقيناً بأن الطفولة ليست مكاناً بريئاً، بل معركة صامتة نخرج منها مشوهين مهما حاولنا التظاهر بالعكس.

أما الذين يعتقدون أن الطفولة كانت جنة، فربما لم يتذكروا جيداً ما عاشوه، أو اختارت ذاكرتهم أن ترحمهم بالنسيان.

أن تكبر في بيت فقير وصامت يعني أن تصبح رجلاً دون أن تدرك متى ضاعت طفولتك، وأن تتحمل من الحياة ما لا تتحمله أعمار الأطفال، وحين تنظر إلى الوراء بعد سنوات تكتشف أنك لا تعرف اللحظة التي غادرت فيها طفولتك.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم