لم يعد الإعلام المؤسسي في العصر الحديث مجرد أداة لنشر الأخبار وتغطية الفعاليات الرسمية فقط ، بل غدا وظيفةً استراتيجية محورية تُسهم في تحقيق أهداف المؤسسة وتعزيز مكانتها وبناء علاقات ثقة راسخة مع مختلف شرائح الجمهور. فالمؤسسات الناجحة لا تُقاس بما تحققه من إنجازات وحسب، بل بقدرتها على إدارة الاتصال والتواصل بصورة مهنية تعكس هويتها ورسالتها وقيمها الجوهرية. وينقسم هذا الإعلام إلى شقين متكاملين؛ داخلي يُعنى بتوحيد الوعي المؤسسي وتعزيز الانتماء وضمان تدفق المعلومات بين أقسام المؤسسة وعناصرها البشرية، وخارجي يتولى رسم الصورة الذهنية للمؤسسة وتعزيز حضورها أمام وسائل الإعلام والجمهور والشركاء الاستراتيجيين. والرابط بينهما حتمي لا انفصام فيه؛ إذ إن الموظف هو أول سفير للمؤسسة وأكثرهم تأثيراً، وكلما تمكّن من استيعاب رسالتها وقيمها كان قادراً على تمثيلها بصورة أصيلة ومقنعة. يقوم الإعلام المؤسسي الفاعل على منظومة من المبادئ التي لا تقبل التجزئة أو الانتقائية؛ فالمصداقية والدقة شرطٌ لا تنازل عنه، إذ لا قيمة لمعلومة غير موثوقة ولا ثقة لمؤسسة تتساهل في التحقق من مضامينها قبل إطلاقها. وتأتي الشفافية لتعزز هذا الأساس بالصراحة في التواصل مع الجمهور حتى في اللحظات الصعبة، لأن الإخفاء لا يحل الأزمة بل يُفاقمها ويُضاعف تداعياتها. كما يستوجب هذا الإعلام توحيد الرسائل عبر جميع القنوات والمتحدثين الرسميين، وسرعة الاستجابة للأحداث في عالم تتسارع فيه المعلومات ويترك فيه التأخر الساحة مفتوحة للشائعات والتأويلات. ويُشكّل الناطق الإعلامي أحد أبرز عناصر منظومة الاتصال المؤسسي؛ فهو المصدر الرسمي للمعلومات وصوت المؤسسة أمام الجمهور ووسائل الإعلام. ويجب أن يتمتع بمهارات تواصل رفيعة وحضور هادئ متزن وإلمام عميق بمواقف المؤسسة وسياساتها وحدود صلاحياته في الإفصاح. وتتضاعف أهمية هذا الدور في أوقات الأزمات، حين تستوجب الظروف تقديم معلومات دقيقة وواضحة تُسهم في الحد من الشائعات والحفاظ على ثقة الجمهور. أما الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي فقد باتا ركناً أساسياً في هذه المنظومة، وإدارتهما تتطلب يقظة دائمة ورداً مسؤولاً ومواجهة فورية للشائعات بالحقيقة الموثقة، فالصمت الرقمي لا يختلف في أثره عن البيان الخاطئ. ولا يكفي أن تمتلك المؤسسة ناطقاً إعلامياً أو موظفاً يُعنى بالتواصل بصفة عَرَضية، بل بات من الضروري أن تُنشئ كل مؤسسة وحدةً متخصصة للإعلام والتسويق تعمل على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع. فطبيعة العصر الرقمي لا تعترف بأوقات الدوام الرسمي، والأحداث لا تستأذن قبل وقوعها، والجمهور لا ينتظر حتى يُفتح المكتب ليطّلع على موقف المؤسسة أو يتلقى رداً على تساؤلاته. وتضطلع هذه الوحدة بمهام متكاملة تشمل متابعة المشهد الإعلامي والرقمي بصفة مستمرة، ورصد ما يُتداول عن المؤسسة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، والتدخل الفوري عند الحاجة إلى توضيح أو تصحيح أو تصريح. كما تتولى إدارة الهوية البصرية والرسائل التسويقية وتطوير المحتوى الذي يعكس قيم المؤسسة وإنجازاتها بصورة احترافية ومتسقة. ولا يقتصر دورها على الاستجابة للأحداث، بل يمتد إلى المبادرة الاستباقية ببناء الصورة المؤسسية قبل أن تفرضها الأزمات. ويستلزم نجاح هذه الوحدة أن تكون جاهزةً للرد والتصريح في أي وقت، وأن يتوفر لديها بروتوكول واضح يُحدد آليات التصعيد واتخاذ القرار خارج أوقات الدوام الرسمي، وأن تكون على تواصل مباشر ومستمر مع القيادة التنفيذية حتى لا يقف غياب التفويض حائلاً دون الرد في اللحظة المناسبة. إن مؤسسةً لا تملك وحدةً إعلامية جاهزة على مدار الوقت هي مؤسسة تترك سمعتها عُرضةً للريح. وعلى الرغم من الإمكانات البشرية والمادية المتاحة، يعاني الإعلام المؤسسي في كثير من مؤسسات القطاع العام والخاص من ضعف بنيوي واضح وتقصير متراكم ناجم في جوهره عن التخبط وغياب المنهج وانعدام المؤسسية. فكثير من هذه المؤسسات تتعامل مع الاتصال المؤسسي باعتباره نشاطاً عَرَضياً لا وظيفةً استراتيجية ممنهجة، وهو ما يُفضي إلى تضارب الرسائل الإعلامية وتناقض التصريحات وتعدد المرجعيات دون تنسيق، مما يُربك المتلقي ويزعزع ثقته في المؤسسة. ويتفاقم ذلك بغياب المؤسسية في صميم العمل الإعلامي؛ إذ تُبنى القرارات الاتصالية على الاجتهادات الفردية لا على سياسات مكتوبة ومعتمدة، فيعمل الإعلامي دون خطة محددة ودون صلاحيات واضحة ودون معايير قابلة للقياس. وتعمل وحدات الإعلام في بعض المؤسسات بكوادر غير متخصصة أو بطاقم مُثقَل بمهام إدارية لا صلة لها بالاتصال الاحترافي، فضلاً عن ضعف التنسيق مع القيادات التنفيذية مما يُفضي إلى فجوات معلوماتية تُطوّق الأداء وتُقيّده. أما إدارة الأزمات إعلامياً فتكاد تكون غائبة، إذ يُلجأ عند الحوادث إلى الصمت أو الإنكار أو الرد المتأخر، فتتحول الأزمة الإدارية البسيطة إلى أزمة سمعة مُركّبة يصعب تداركها. إن السمعة المؤسسية ليست منحةً تُعطى، بل هي حصيلة كل خبر يُنشر وكل تصريح يُدلى به وكل تفاعل مع الجمهور. والارتقاء بالإعلام المؤسسي الأردني لن يتحقق بتغيير الأفراد وحده، بل يستوجب إعادة بناء المنظومة من أساسها؛ بإنشاء وحدات إعلامية متخصصة وجاهزة على مدار الوقت، وتبنّي سياسات اتصال واضحة ومكتوبة، وتأهيل كوادر متخصصة قادرة على الرد والتصريح في أي لحظة دون تردد أو ارتباك. إن المؤسسة التي تُدرك أن الصمت تكلفة والتخبط خسارة والاحتراف استثمار، هي وحدها المؤسسة التي تستحق ثقة جمهورها وتستطيع الحفاظ عليها.
د. مالك أحمد السعود – أستاذ مشارك في التسويق الرقمي – جامعة البترا
د. مالك أحمد السعود – أستاذ مشارك في التسويق الرقمي – جامعة البترا
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات