عقوق الوطن... حين يبيع الإنسان ظلَّه ليس أقسى على الأوطان من عدوٍ يتربص بها، فذلك قدر الأمم منذ فجر التاريخ ولكن القسوة الحقيقية أن ينبعث الخطر من بين أبنائها ممن فقدوا البوصلة الأخلاقية واستبدلوا شرف الانتماء برخص المصلحة حتى غدت أيديهم جسورًا تعبر عليها الأطماع وآذانهم منافذ تتسرب منها أسرار الوطن وألسنتهم أدوات تُضعف حصونه. فالعدو لا يحتاج إلى كثير من الجهد إذا وجد في الداخل من يؤدي عنه المهمة ولا يحقق أهدافه بسهولة إلا عندما يجد من ينسى أن الوطن ليس فندقًا نقيم فيه بل بيتًا نحتمي بجدرانه وهويةً نحيا بها وكرامةً نستمد منها وجودنا. إن عقوق الوطن ليس مجرد مخالفة قانونية بل انهيار أخلاقي وإنساني قبل أن يكون جريمة في نظر التشريعات فمن يمد العدو بمعلومة أو يكشف له سرًا أو يعينه على الإضرار بأمن وطنه لا يطعن مؤسسة أو حكومة بعينها بل يطعن أمن الأطفال وطمأنينة الأمهات ومستقبل الشباب واستقرار المجتمع بأسره فالوطن لا يُختزل في سلطة أو مرحلة سياسية وإنما هو الشعب والأرض والتاريخ والمستقبل. والمؤلم أن بعض النفوس تبرر فعلها بأوهام شتى؛ مرة باسم المصلحة وأخرى باسم الانتقام وثالثة بدافع المال أو الشهرة أو الوهم بأن العدو سيكون حليفًا لكنها تغفل حقيقة ثابتة أثبتها التاريخ مرارًا: أن من يبيع وطنه لا يشتري احترامًا ومن يخن أهله لا يحظى بثقة من استخدمه فالخيانة ليست وسيلة لبناء مستقبل بل طريق ينتهي بصاحبه إلى العزلة والندم وسقوط المكانة. لقد علمتنا صفحات التاريخ أن كثيرًا من الحروب لم تُحسم بقوة السلاح وحده بل بحماية الأسرار وصيانة المعلومات وقد تكون كلمة واحدة أو صورة عابرة أو رسالة أُرسلت في لحظة غفلة سببًا في إزهاق أرواح أو إفشال جهود أو تعريض الأبرياء للخطر وفي عصر التكنولوجيا أصبحت المعلومة أكثر خطورة من الرصاصة وأسرع انتشارًا من أي سلاح وأشد أثرًا في صناعة الأحداث. وليس معنى الوطنية أن نصادر الآراء أو نلغي حق الناس في النقد والمساءلة؛ فالأوطان القوية تتسع للحوار وتحترم اختلاف الرأي وتفتح أبواب الإصلاح غير أن هناك حدًا فاصلًا بين النقد المسؤول الذي يروم الإصلاح وبين التعاون مع من يتربص بالوطن أو يسعى إلى الإضرار بأمنه ومصالحه فحين تتحول المعلومة إلى أداة بيد عدو يغدو الأمر خروجًا من دائرة الرأي إلى دائرة الإضرار بالمصلحة العامة. إن الأوطان لا يحميها السلاح وحده بل يحميها الضمير الحي يحميها معلم يغرس قيم الانتماء وأب يربي أبناءه على الوفاء وأم تعلم أطفالها أن الوطن نعمة لا تُقايض وإعلام مسؤول يبني الوعي ولا يزرع الفتنة ومواطن يدرك أن كل كلمة ينشرها وكل معلومة يتداولها قد تكون لبنة في بناء وطنه أو ثغرة ينفذ منها خصومه. ولعل أخطر ما يصيب الأمم ليس ضعف الإمكانات وإنما ضعف الانتماء فالدول قد تعوض خسائرها الاقتصادية وقد تعيد بناء ما تهدم لكن استعادة الثقة بعد الخيانة تبقى من أصعب التحديات لأن الخيانة تترك ندبة في وجدان الأمة وتزرع الشك في نسيجها الاجتماعي. إن الوطن ليس إرثًا نتسلمه من الآباء فحسب بل أمانة نسلمها للأبناء ومن الوفاء لهذه الأمانة أن نصونها وأن نحفظ أسرارها وأن نختلف داخلها لا عليها وأن نجعل ولاءنا للأرض التي احتضنت أحلامنا لا للمصالح العابرة أو الإغراءات الزائلة. سيبقى الوطن أكبر من الأشخاص وأبقى من المصالح وأسمى من الصفقات وستظل قيمة الإنسان تقاس في لحظات الشدة قبل الرخاء بقدر وفائه لأرضه وأمته فمن خان وطنه خسر اسمه قبل أن يخسر وطنه ومن حفظ الأمانة بقي ذكره كريمًا لأن الأوطان تُبنى بسواعد المخلصين وتبقى شامخة بضمائر الأوفياء. و يبقى الوطن هو الاختبار الأعظم للأخلاق فمن أحب وطنه حفظه في حضوره وغيابه وصانه في سره وعلنه وأدرك أن الوفاء للأوطان ليس شعارًا يُرفع بل عهدٌ لا يسقط بالتقادم وأمانةٌ لا يليق بالشرفاء إلا أن يؤدوها كاملة جيلاً بعد جيل. سنبقى نردد الله الوطن الملك موفق عبدالحليم ابودلبوح
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات