زهير الشرمان يكتب: إن لم تُبهرهم بذكائك .. فحيرهم بغبائك

منذ 6 ساعات
المشاهدات : 21940
زهير الشرمان يكتب: إن لم تُبهرهم بذكائك ..  فحيرهم بغبائك
زهير الشرمان

زهير الشرمان

إن لم تُبهرهم بذكائك... فحيرهم بغبائك يقولون إن الإنسان كائن عاقل. وبعد جولة سريعة في وسائل التواصل، تكتشف أن القائل كان متفائلا أكثر من اللازم. في زمننا هذا، لم يعد الذكاء ميزة تنافسية، بل أصبح عبئا إداريا. الذكي يقرأ خمسين صفحة قبل أن يكتب سطرا واحدا، بينما الغبي يكتب خمسين سطرا قبل أن يقرأ عنوان الموضوع، ثم يحصد آلاف الإعجابات لأن ثقته بنفسه أكبر من مساحة جهله. ولذلك، أقترح أن تعيد الجامعات النظر في مناهجها. كفاكم تدريس الفلسفة والمنطق. افتحوا كلية جديدة اسمها: كلية الغباء التطبيقي، بشعار رسمي يقول: "إن لم تُبهرهم بذكائك... فحيّرهم بغبائك." في الفصل الأول، يتعلم الطالب كيف يتحدث ساعتين دون أن يقول شيئا. وفي الفصل الثاني، كيف يجيب عن سؤال لم يُطرح أصلا. أما مشروع التخرج، فهو أن يقنع لجنة المناقشة بأنها هي التي لم تفهم عبقريته. لقد أصبح الغباء موهبة مكتسبة. لم يعد يكفي أن تكون جاهلا، بل يجب أن تكون جاهلا وواثقا، فالثقة هي البهارات التي تجعل أي كلام صالحا للاستهلاك الجماهيري. قديما كان الناس يقولون: "اسأل أهل الذكر." أما اليوم فالشعار هو: "اسأل أكثر شخص يصرخ." فالصوت المرتفع أصبح دليلا علميا، وكلما ارتفع أكثر، انخفض مستوى النقاش أكثر. ولو عاد سقراط إلى الحياة، لفتح حسابا على وسائل التواصل، ثم أغلقه بعد عشر دقائق وهو يتمتم: "اشربوا السم مرة أخرى... لكن هذه المرة اشربوه أنتم." أما نيوتن، فبعد أن يرى بعض النقاشات، سيكتشف أن الجاذبية لم تعد تسحب التفاح إلى الأرض، بل تسحب العقول إلى التعليقات. وإذا ظهر ابن الهيثم اليوم، فلن يشرح قوانين الضوء، بل سيقضي حياته يحاول إقناع الناس بأن الشمس ليست مؤامرة. أما أينشتاين، فسيغير معادلته الشهيرة إلى: الجهل² × الثقة = مؤثر على الإنترنت. العجيب أن الذكي إذا قال: لا أعلم، اتهموه بالضعف. أما الغبي فإذا قال: أعرف كل شيء، سألوه: متى تفتح قناة على يوتيوب؟ بل إن الغباء أصبح اقتصادا قائما بذاته. هناك من يبيع الوهم، وآخر يشتريه، وثالث يشرح للناس كيف يبيعونه هم أيضا. الجميع رابح... إلا الحقيقة، فهي الشركة الوحيدة التي أعلنت إفلاسها منذ سنوات. أصبحت الشائعة أسرع من مكافحة الفساد؛ الأولى تحتاج إلى همسة، والثانية تحتاج إلى سنوات. وعندما تصل الحقيقة أخيرا، تجد الجميع قد انصرف، والكذبة تشرب القهوة في الصف الأول. ومن غرائب العصر أن بعض الناس إذا لم يفهموا كلامك، اتهموك بالتعقيد. وإذا فهموه، اتهموك بالتنظير. وإذا وافقتهم، قالوا إنك بلا شخصية. وإذا خالفتهم، قالوا إنك عميل لشيء ما، وغالبا لا يعرفون لِمَن. أما النصيحة الذهبية للنجاح اليوم فهي بسيطة لا تتعب نفسك بالتفكير، فالتفكير يحرق السعرات الحرارية، بينما إطلاق الأحكام يتم مجانا. لا تبحث عن الدليل، فالدليل يستهلك الوقت، والوقت عدو الشهرة. لكن احذر... فالغباء مثل القهوة؛ إذا زادت جرعته أصاب صاحبه بالأرق، وأصاب من حوله بالصداع. لذلك، إذا لم تُبهرهم بذكائك، فلا تحاول أن تحيرهم بغبائك، لأن المنافسة في هذا المجال أصبحت شرسة جدا. لقد امتلأ السوق بالمحترفين، حتى إن الغباء نفسه بدأ يشكو من كثرة المنتسبين إليه، ويطالب بإنشاء نقابة لتنظيم المهنة وحماية حقوق الهواة! زهير الشرمان
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم