ملك غيث يكتب: من الجامعة إلى السوق… كيف تتحول المعرفة إلى قيمة اقتصادية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 7871
ملك غيث يكتب: من الجامعة إلى السوق… كيف تتحول المعرفة إلى قيمة اقتصادية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
ملك غيث

ملك غيث

يشهد العالم تحولًا غير مسبوق بفعل التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت قادرة على كتابة النصوص وتحليل البيانات وتصميم البرمجيات وإنجاز العديد من المهام التي كانت حتى وقت قريب تتطلب ساعات من العمل البشري. ومع هذا التحول لم يعد السؤال المطروح هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ بل أصبح السؤال الأهم ما هي المهارات التي ستظل حكرًا على الإنسان؟ وكيف يمكن للجامعات إعداد طلبتها لاقتصاد المستقبل؟

وفي الأردن يقود سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد – حفظه الله – نهجًا وطنيًا متقدمًا لترسيخ ثقافة الابتكار وريادة الأعمال بين الشباب انطلاقًا من إيمانه بأن الاقتصاد الحديث يقوم على المعرفة والإبداع والتكنولوجيا، وأن الشباب هم المحرك الرئيس لهذا التحول.
وقد تجسد هذا النهج في إطلاق مبادرات نوعية وإنشاء مراكز تدريب متخصصة وتعزيز التعليم التقني والتطبيقي ودعم البرامج التقنية داخل الجامعات وتمكين الشباب من اكتساب المهارات الرقمية والتكنولوجية التي تؤهلهم للمنافسة في الاقتصاد الرقمي. وتعكس هذه الجهود رؤية واضحة تقوم على أن المعرفة والمهارة والابتكار تمثل المحركات الرئيسة للاقتصاد الحديث وأن الاستثمار في الشباب وتأهيلهم بالعلم والتكنولوجيا يشكل الأساس لبناء اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.

وفي هذا السياق تولى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي اهتمامًا متزايدًا بتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها أحد المحاور الرئيسة لتطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي وتعزيز الابتكار ورفع جودة المخرجات التعليمية والبحثية بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد الرقمي وسوق العمل.

وفي ظل هذه التحولات يظل التعليم العالي والبحث العلمي الركيزة الأساسية لرسالة الجامعات إلا أن نجاحها اليوم لم يعد يقاس بجودة التعليم والبحث العلمي فحسب بل بقدرتها أيضًا على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية وربط البحث العلمي باحتياجات السوق ونقل الابتكارات من المختبرات إلى المجتمع وتحويل الأفكار الواعدة إلى مشاريع وشركات تكنولوجية قادرة على المنافسة.

وقد أثبتت التجارب العالمية أن الجامعات الأكثر تأثيرًا اقتصاديًا هي تلك التي نجحت في بناء منظومة متكاملة تجمع بين البحث العلمي والذكاء الاصطناعي والابتكار وريادة الأعمال ونقل التكنولوجيا وحاضنات الأعمال والشراكات مع القطاع الخاص.

فالقيمة الحقيقية للمعرفة لا تتحقق بمجرد إنتاجها أو نشرها وإنما بقدرة المؤسسات الأكاديمية على تحويلها إلى تطبيقات عملية وبراءات اختراع وشركات ناشئة ومنتجات وخدمات تلبي احتياجات المجتمع وتعزز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

ويتطلب تحقيق ذلك أن يكون البحث العلمي مرتبطًا باحتياجات المجتمع والقطاع الصناعي وأن يحظى الباحث والطالب بالدعم اللازم لتطوير أفكارهما وحماية الملكية الفكرية وتسجيل براءات الاختراع وتوفير بيئة استثمارية وحاضنات أعمال قادرة على احتضان الابتكارات وتحويلها إلى مشاريع قائمة على التكنولوجيا.

فالفكرة التي تبقى داخل أروقة الجامعة تمثل إنجازًا علميًا أما عندما تجد طريقها إلى السوق وتقدم حلًا لمشكلة حقيقية فإنها تتحول إلى قيمة اقتصادية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الإنتاجية وخلق فرص عمل نوعية.

كما يفتح الذكاء الاصطناعي اليوم آفاقًا جديدة أمام الجامعات والباحثين من خلال تسريع عمليات البحث وتحليل البيانات وتطوير النماذج وتصميم الحلول المبتكرة. إلا أن هذه التقنيات على أهميتها تبقى أدوات داعمة بينما يظل الإبداع والتفكير النقدي والقدرة على الابتكار والقيادة والعمل الجماعي واتخاذ القرار من المهارات الناعمة التي تشكل أساس التميز في سوق العمل ولا يمكن الاستغناء عنها.

ولهذا، فإن الجامعات مطالبة اليوم بألا تكتفي بتعليم الطلبة كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بل أن تعمل على تنمية قدراتهم الفكرية والإبداعية والقيادية إلى جانب تعزيز المهارات التقنية المتخصصة حتى يمتلك الخريج المهارات الصلبة والمهارات الناعمة التي يتطلبها سوق العمل.
فالتكنولوجيا ستكون متاحة للجميع، أما القدرة على الابتكار وصناعة القرار وتحويل الأفكار إلى مشاريع ناجحة فهي التي ستصنع الفارق.

وانطلاقًا من ذلك لم تعد منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال وتسويق المعرفة مسارات منفصلة بل أصبحت منظومة متكاملة ومترابطة تبدأ داخل الجامعة وتمر بالمختبرات ومراكز الابتكار وحاضنات الأعمال لتنتهي بشركات ناشئة قائمة على التكنولوجيا ومنتجات وطنية قادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية.

ويمتلك الأردن اليوم مقومات راسخة لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار تتمثل في كفاءات أكاديمية متميزة وطاقات شبابية واعدة ورؤية وطنية تدعم الابتكار والتكنولوجيا.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تعميق الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص والمستثمرين ومؤسسات الدولة لضمان انتقال الأفكار البحثية من قاعات الجامعات إلى الأسواق وتحويلها إلى مشاريع إنتاجية تسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.

وستبقى الجامعات منارات للعلم والبحث العلمي إلا أن دورها في المرحلة المقبلة يتطلب ترجمة المعرفة إلى أثر اقتصادي واجتماعي ملموس من خلال الابتكار ونقل التكنولوجيا وريادة الأعمال وإعداد خريجين يمتلكون المهارات الصلبة والمهارات الناعمة وقادرين على تحويل الأفكار إلى حلول والبحوث إلى منتجات والمعرفة إلى قيمة اقتصادية تدعم مسيرة التنمية الوطنية.

فالمستقبل لن يكون للأكثر امتلاكًا للمعرفة فحسب بل للأقدر على توظيفها وتحويلها إلى ابتكار وإنتاج وقيمة اقتصادية. والجامعة التي تُخرّج باحثًا قادرًا على تحويل فكرته إلى منتج، وطالبًا يمتلك المهارات اللازمة لتأسيس مشروعه الريادي لا تكتفي بتخريج أفراد بل تسهم في بناء اقتصاد وطني قائم على المعرفة والابتكار وتعزيز تنافسية الأردن ومواكبة المتغيرات العالمية وصناعة مستقبل أكثر ازدهارًا للأجيال القادمة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم