سرايا - خلال الأزمة الأخيرة لوزيرة الثقافة المصرية المستقيلة دكتورة جيهان زكي، والتي لا تزال تداعياتها تتفاعل بقوة حتى الآن، طفا على سطح الأحداث وعلى نطاق واسع مصطلح "مؤلف الظل" الذي يتولى الاشتغال الفعلي على كتب المشاهير بهدف إنجازها بشكل نهائي، بالتنسيق مع المؤلف الظاهري، دون أن يظهر اسم الأول على الغلاف أو عبر وسائل الإعلام.
وأُدينت جيهان في حكم نهائي صادر عن محكمة النقض بتهمة انتهاك حقوق الملكية الفكرية والتورط في الاقتباس والنقل بطريقة غير مشروعة في كتابها "كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين" عن كتاب آخر هو "سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية"، للباحثة سهير عبد الحميد.
وراجت بقوة نظرية تؤكد أن هناك "مؤلف ظل" تولى كتابة الجزء المشترك محل النزاع بين الكتابين، والذي يتضمن "نقلًا حرفيًّا" عن الكتاب الثاني، وبالتالي فهو من يتحمل المسؤولية عن ذلك السلوك، وفق أنصار الوزيرة والمدافعين عنها، في القضية التي تُعرف إعلاميًّا باسم "الكتاب المسروق".
وبغض النظر عن تفاصيل هذا الجدل الإعلامي والثقافي الواسع، تبقى الأسئلة الأهم: ما هي ملامح الدور الخفي لهذا المؤلف عمومًا ولماذا تبقى دائمًا هويته سرية وما هي تجلياته في ثقافتنا العربية وما مدى إسهامه في مؤلفات المشاهير لدينا وفي العالم؟
حدود المهمة السرية
مؤلف الظل (ghostwriter) هو شخص يتولى كتابة كتب أو مذكرات أو مقالات للمشاهير من الساسة والفنانين والإعلاميين ممن لا يجدون وقتًا للكتابة كما أنهم لا يمتلكون أدواتها لكنهم يريدون أن يُنسب العمل إليهم، بحثًا عن الوجاهة الاجتماعية غالبًا.
تبقى هوية المؤلف الفعلي سرية بموجب اتفاق قانوني ومالي، وقد يكون دوره مجرد تحويل أفكار "العميل" إلى نص متماسك مكتوب، وقد يمتد إلى إجراء المقابلات والبحث والتوثيق، بحيث يصبح هو المؤلف الحقيقي للنص من الناحية العملية.
ورغم أن التسمية العربية "مؤلف الظل" أو "كاتب الظل" تبدو شاعرية، فإنها تعكس أزمة أخلاقية، فصاحبها حاضر في كل كلمة، لكنه غائب عن الغلاف، ولا يحق له غالبًا الإفصاح عن مشاركته إلا إذا سمح له الطرف الآخر بذلك.
تتجاوز مهمته كثيرًا مجرد الكتابة، فهو يبدأ عادة بالجلوس ساعات طويلة لإجراء المقابلات مع صاحب المشروع، ثم يجمع الوثائق والمراجع، ويضع هيكل الكتاب، ويعيد ترتيب الأحداث، ويبتكر لغة تشبه أسلوب المتحدث حتى يبدو النص وكأنه خرج على لسانه بالفعل.
وفي بعض الحالات يقوم بدور إضافي حيث يتحول إلى باحث ومحرر ومراجع ومدقق حقائق في الوقت نفسه، بينما يظل ملتزمًا بألا يفرض صوته الشخصي على النص، وأن يختفي داخله تمامًا.
مهنة تبحث عن الاعتراف
من أشهر الكتب العربية التي أثارت جدلًا حول هوية مؤلفها الحقيقي كتاب "مذكرات عربجي"، صدر عام 1922، إذ نُشر باسم "الأسطي حنفي أبو محمود".
ورجحت دراسات لاحقة أن يكون مؤلفها الحقيقي هو نجم السينما المصرية في عصر الأبيض والأسود الفنان سليمان نجيب، وهو ما جعلها مثالًا مبكرًا للكتابة باسم مستعار أو بالنيابة عن شخصية أخرى.
واعتمدت الطبعات الأولى من كتاب "ذكرياتي"، للفنانة تحية كاريوكا، على تسجيلات مطولة وشهادات جُمعت ثم أعيد تحريرها وصياغتها في قالب كتاب، دون أن يعرف أحد من هو مؤلف الظل في تلك الحالة.
ورغم أن الأمر تكرر مع مذكرات مشاهير آخرين في مجالات أخرى بعيدا عن الفن، كالسياسة والرياضة والإعلام، إلا أن تقصّي هذه المهنة في نسختها العربية لا يزال صعبًا بسبب عدم الاعتراف بها عربيًّا، على عكس ما يحدث في الغرب.
كما يغيب الإطار المهني الواضح عربيًّا، فلا توجد وكالات متخصصة بالمعنى الغربي، ولا عقود نموذجية متداولة، ولا اعتراف ثقافي بتلك المهنة، الأمر الذي يجعل الحدود بين التحرير الأدبي والمشاركة في الكتابة وكتابة الظل نفسها غير واضحة في كثير من الأحيان.
تقليد قديم
ليست كتابة الظل بحد ذاتها اختراعًا جديدا، فمنذ قرون استعان ملوك وقادة وسياسيون بكتّاب يصوغون رسائلهم وخطبهم، غير أن المهنة اكتسبت شكلًا احترافيًّا مع توسع صناعة النشر وازدياد الطلب على مذكرات السياسيين ورجال الأعمال والمشاهير.
وتمتلك اليوم كبريات دور النشر في الولايات المتحدة وأوروبا شبكات واسعة من كتاب الظل، ويصبح وجودهم أمرًا شبه بديهي عندما يتعلق الأمر بالسير الذاتية للشخصيات العامة، أو الكتب التي تصدر بوتيرة سريعة، أو المؤلفات التي تحتاج إلى مهارات بحثية وسردية لا يمتلكها صاحب الاسم المودود على غلاف الكتاب.
والسرية هنا ليست تفصيلًا ثانويًّا، بل هي أساس العلاقة المهنية، فأغلب العقود تتضمن بنودًا تمنع "كاتب الظل" من الإعلان عن مشاركته، حفاظًا على صورة المؤلف المعلن أمام الجمهور، ولأن قيمة الكتاب التجارية غالبًا ترتبط بالاسم الموجود على الغلاف.
كما أن كثيرًا من الشخصيات العامة العربية لا ترغب في الاعتراف بأنها استعانت بكاتب محترف، خوفًا من اتهامها بعدم امتلاك القدرة على الكتابة أو التشكيك في مصداقية تجربتها.
لهذا يحصل "مؤلف الظل" عادة على أجر مقطوع، وأحيانا نسبة من الأرباح، مقابل تنازله عن الظهور الإعلامي والحقوق المعنوية المرتبطة بالنشر.
وأُدينت جيهان في حكم نهائي صادر عن محكمة النقض بتهمة انتهاك حقوق الملكية الفكرية والتورط في الاقتباس والنقل بطريقة غير مشروعة في كتابها "كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين" عن كتاب آخر هو "سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية"، للباحثة سهير عبد الحميد.
وراجت بقوة نظرية تؤكد أن هناك "مؤلف ظل" تولى كتابة الجزء المشترك محل النزاع بين الكتابين، والذي يتضمن "نقلًا حرفيًّا" عن الكتاب الثاني، وبالتالي فهو من يتحمل المسؤولية عن ذلك السلوك، وفق أنصار الوزيرة والمدافعين عنها، في القضية التي تُعرف إعلاميًّا باسم "الكتاب المسروق".
وبغض النظر عن تفاصيل هذا الجدل الإعلامي والثقافي الواسع، تبقى الأسئلة الأهم: ما هي ملامح الدور الخفي لهذا المؤلف عمومًا ولماذا تبقى دائمًا هويته سرية وما هي تجلياته في ثقافتنا العربية وما مدى إسهامه في مؤلفات المشاهير لدينا وفي العالم؟
حدود المهمة السرية
مؤلف الظل (ghostwriter) هو شخص يتولى كتابة كتب أو مذكرات أو مقالات للمشاهير من الساسة والفنانين والإعلاميين ممن لا يجدون وقتًا للكتابة كما أنهم لا يمتلكون أدواتها لكنهم يريدون أن يُنسب العمل إليهم، بحثًا عن الوجاهة الاجتماعية غالبًا.
تبقى هوية المؤلف الفعلي سرية بموجب اتفاق قانوني ومالي، وقد يكون دوره مجرد تحويل أفكار "العميل" إلى نص متماسك مكتوب، وقد يمتد إلى إجراء المقابلات والبحث والتوثيق، بحيث يصبح هو المؤلف الحقيقي للنص من الناحية العملية.
ورغم أن التسمية العربية "مؤلف الظل" أو "كاتب الظل" تبدو شاعرية، فإنها تعكس أزمة أخلاقية، فصاحبها حاضر في كل كلمة، لكنه غائب عن الغلاف، ولا يحق له غالبًا الإفصاح عن مشاركته إلا إذا سمح له الطرف الآخر بذلك.
تتجاوز مهمته كثيرًا مجرد الكتابة، فهو يبدأ عادة بالجلوس ساعات طويلة لإجراء المقابلات مع صاحب المشروع، ثم يجمع الوثائق والمراجع، ويضع هيكل الكتاب، ويعيد ترتيب الأحداث، ويبتكر لغة تشبه أسلوب المتحدث حتى يبدو النص وكأنه خرج على لسانه بالفعل.
وفي بعض الحالات يقوم بدور إضافي حيث يتحول إلى باحث ومحرر ومراجع ومدقق حقائق في الوقت نفسه، بينما يظل ملتزمًا بألا يفرض صوته الشخصي على النص، وأن يختفي داخله تمامًا.
مهنة تبحث عن الاعتراف
من أشهر الكتب العربية التي أثارت جدلًا حول هوية مؤلفها الحقيقي كتاب "مذكرات عربجي"، صدر عام 1922، إذ نُشر باسم "الأسطي حنفي أبو محمود".
ورجحت دراسات لاحقة أن يكون مؤلفها الحقيقي هو نجم السينما المصرية في عصر الأبيض والأسود الفنان سليمان نجيب، وهو ما جعلها مثالًا مبكرًا للكتابة باسم مستعار أو بالنيابة عن شخصية أخرى.
واعتمدت الطبعات الأولى من كتاب "ذكرياتي"، للفنانة تحية كاريوكا، على تسجيلات مطولة وشهادات جُمعت ثم أعيد تحريرها وصياغتها في قالب كتاب، دون أن يعرف أحد من هو مؤلف الظل في تلك الحالة.
ورغم أن الأمر تكرر مع مذكرات مشاهير آخرين في مجالات أخرى بعيدا عن الفن، كالسياسة والرياضة والإعلام، إلا أن تقصّي هذه المهنة في نسختها العربية لا يزال صعبًا بسبب عدم الاعتراف بها عربيًّا، على عكس ما يحدث في الغرب.
كما يغيب الإطار المهني الواضح عربيًّا، فلا توجد وكالات متخصصة بالمعنى الغربي، ولا عقود نموذجية متداولة، ولا اعتراف ثقافي بتلك المهنة، الأمر الذي يجعل الحدود بين التحرير الأدبي والمشاركة في الكتابة وكتابة الظل نفسها غير واضحة في كثير من الأحيان.
تقليد قديم
ليست كتابة الظل بحد ذاتها اختراعًا جديدا، فمنذ قرون استعان ملوك وقادة وسياسيون بكتّاب يصوغون رسائلهم وخطبهم، غير أن المهنة اكتسبت شكلًا احترافيًّا مع توسع صناعة النشر وازدياد الطلب على مذكرات السياسيين ورجال الأعمال والمشاهير.
وتمتلك اليوم كبريات دور النشر في الولايات المتحدة وأوروبا شبكات واسعة من كتاب الظل، ويصبح وجودهم أمرًا شبه بديهي عندما يتعلق الأمر بالسير الذاتية للشخصيات العامة، أو الكتب التي تصدر بوتيرة سريعة، أو المؤلفات التي تحتاج إلى مهارات بحثية وسردية لا يمتلكها صاحب الاسم المودود على غلاف الكتاب.
والسرية هنا ليست تفصيلًا ثانويًّا، بل هي أساس العلاقة المهنية، فأغلب العقود تتضمن بنودًا تمنع "كاتب الظل" من الإعلان عن مشاركته، حفاظًا على صورة المؤلف المعلن أمام الجمهور، ولأن قيمة الكتاب التجارية غالبًا ترتبط بالاسم الموجود على الغلاف.
كما أن كثيرًا من الشخصيات العامة العربية لا ترغب في الاعتراف بأنها استعانت بكاتب محترف، خوفًا من اتهامها بعدم امتلاك القدرة على الكتابة أو التشكيك في مصداقية تجربتها.
لهذا يحصل "مؤلف الظل" عادة على أجر مقطوع، وأحيانا نسبة من الأرباح، مقابل تنازله عن الظهور الإعلامي والحقوق المعنوية المرتبطة بالنشر.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات