امل خضر تكتب: حين تخون السلطةُ الثقة تبدأ المؤسسات بالسقوط من الداخل

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 25108
امل خضر تكتب: حين تخون السلطةُ الثقة تبدأ المؤسسات بالسقوط من الداخل
امل خضر

امل خضر

ليست كل خيانةٍ للوطن بيعًا للأرض أو إفشاءً للأسرار فهناك خيانةٌ أكثر هدوءًا لكنها أشد أثرًا وأطول عمرًا وهي أن تُمنح الثقة لمسؤولٍ ليحفظ المؤسسة فيجعلها رهينةً لمزاجه، وأن يُؤتمن على الإنسان فيكسره، ويُكلَّف بحماية العدالة فيصادرها.

المنصب ليس تاجًا يُتوَّج به صاحبه بل عهدٌ أخلاقي ودستوري بأن تكون السلطة في خدمة الحق لا أن يتحول الحق إلى تابعٍ للسلطة. وما إن يغيب هذا المعنى حتى يفقد الكرسي هيبته وتتحول الإدارة إلى مساحةٍ للخوف بدل أن تكون مصنعًا للإنجاز.

الكارثة لا تبدأ عندما يخطئ المسؤول، فكل إنسان يخطئ وإنما تبدأ عندما يعتقد أن موقعه يمنحه حق الاستثناء من القانون وأن توقيعه أعلى من العدالة وأن رضاه الشخصي هو المعيار الذي تُقاس به حقوق الناس ومستقبلهم. عندها يصبح القرار ابن المزاج لا ابن النظام وتصبح المؤسسة أسيرة الفرد لا حارسة للمصلحة العامة.

وحين تنتقل هذه الثقافة إلى من هم في المستويات الإدارية الأدنى تتسع دائرة الخلل.

تُمنح الصلاحيات لمن يجيدون الولاء لا لمن يمتلكون الكفاءة ويُكافأ القرب الشخصي أكثر من الإخلاص المهني، فتُستبدل قيمة الاستحقاق بمنطق النفوذ ويغدو بعض المسؤولين يتعاملون مع الموظفين وكأنهم أتباعٌ في أملاكٍ خاصة لا شركاء في خدمة وطن.
في تلك اللحظة لا يُغتال الموظف وظيفيًا فحسب بل تُغتال كرامته. ويصبح الخوف لغة العمل اليومية، والتهديد وسيلة الإدارة والتوعيد أداة الضبط بينما يُنظر إلى الاحترام والكياسة على أنهما ضعف وإلى الحوار على أنه تمرد وإلى الرأي المخالف على أنه جريمة تستحق العقاب.

وما لا يدركه أصحاب هذا النهج أن الإنسان المقهور قد يبقى في مكانه لكنه يغادر بعقله وقلبه. يؤدي ما يُطلب منه بلا شغف وينفذ ما يُملى عليه بلا مبادرة لأن الإبداع لا يولد في بيئةٍ ترتجف والعطاء لا ينمو في أرضٍ يرويها الخوف.
لهذا تتراجع الإنتاجية بصمت ويخفت وهج المبادرة وتتآكل روح الفريق، ويتحول الجسد المؤسسي إلى وحداتٍ متنافرة يراقب بعضها بعضًا بدل أن تتكامل. وعندما تغيب الثقة بين العاملين يغيب الانسجام وحين يغيب الانسجام، تصبح المؤسسة مجرد هيكلٍ إداري بلا روح.
والنتيجة لا تتوقف عند حدود المكاتب. فكل قرارٍ ظالم يؤخر خدمةً يستحقها مواطن وكل موظفٍ أُحبط ظلمًا يحمل معه خبرته وإمكاناته إلى دائرة الصمت وكل بيئةٍ طاردة للكفاءات تفتح الباب أمام الرداءة لتصبح أمرًا اعتياديًا. وهكذا يدفع المجتمع كله ثمن أخطاءٍ كان يمكن منعها بعدلٍ بسيط واحترامٍ صادق.

إن القيادة ليست أن يخافك الناس بل أن يثقوا بعدلك. وليست أن يلتزموا الصمت في حضورك، بل أن يشعروا بالأمان وهم يختلفون معك. فالمسؤول الذي يحتاج إلى التخويف ليفرض هيبته يعترف من حيث لا يدري بعجزه عن صناعة الاحترام.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل مؤسسة ماذا يبقى من الثقة عندما يشعر الموظف أن القانون لا يحميه وأن مستقبله يتبدل بتبدل المزاج؟ وأي ولاءٍ يمكن أن يُطلب ممن حُرموا من أبسط حقوقهم في العدالة والكرامة؟
إن الدول لا تُقاس فقط بقوة تشريعاتها بل بقدرتها على حماية الإنسان من التعسف، مهما كان مصدره. فالمؤسسات التي تُدار بالعدل تصنع رجال دولة، أما المؤسسات التي تُدار بالأهواء فلا تصنع إلا الخوف والخوف لا يبني وطنًا ولا يحفظ إنجازًا، ولا يورث مستقبلًا.
إن المسؤول الذي يزرع العدالة يترك أثرًا يبقى بعد رحيله أما الذي يزرع الرهبة فلن يورث إلا الخراب لأن السلطة إلى زوال، والمناصب عابرة، لكن ما يكتبه الإنسان في كرامات الناس سيبقى شاهدًا له أو عليه.
إنها ليست دعوة إلى مجاملة الموظف ولا إلى الانتقاص من هيبة الإدارة بل نداءٌ لاستعادة المعنى الحقيقي للمسؤولية أن يكون القانون فوق الجميع، وأن تكون الكفاءة طريق التقدم وأن تبقى كرامة الإنسان خطًا أحمر لا يمسه منصب ولا يهدمه نفوذ، ولا تساوم عليه مصلحة.

فحين تُصان العدالة، تستقيم المؤسسات. وحين تُحترم الكرامة تزدهر الكفاءات. وحين تُحفظ الأمانة التي اسمها الثقة، يصبح المنصب رسالةً تُبنى بها الأوطان، لا سلطةً تُهدم بها المؤسسات. كونوا على قدر ما منحتم من ثقة فهي أمانة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم