د.عبدالله محمد القضاه يكتب: نحو استراتيجية وطنية وقائية: تعزيز النزاهة في العطاءات الحكومية عبر تكامل الخبرات الوطنية

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 18673
د.عبدالله محمد القضاه يكتب: نحو استراتيجية وطنية وقائية: تعزيز النزاهة في العطاءات الحكومية عبر تكامل الخبرات الوطنية
د.عبدالله محمد القضاه

د.عبدالله محمد القضاه

في ظل السعي المستمر لتطوير منظومة الحوكمة والنزاهة الوطنية، يبرز مفهوم 'الوقاية' كركيزة أساسية تفوق في أهميتها وجدواها الإجراءات الرقابية اللاحقة. فالفساد، بشتى صوره، لا يمثل تحديًا إداريًا فحسب، بل هو استنزاف للموارد الوطنية وتقويض للثقة العامة. ومن هنا، تبرز الحاجة الماسة لابتكار آليات وقائية مؤسسية تضمن سلامة الإجراءات قبل اكتمالها، لا سيما في قطاع العطاءات الحكومية الذي يمثل عصب الإنفاق العام.
تأسيساً على ذلك، نتقدم بمقترح نوعي يهدف إلى تعزيز الشفافية في لجان العطاءات الحكومية، يتمثل في إلزامية إشراك كفاءات وطنية من الضباط المتقاعدين - ذوي الاختصاص النوعي المرتبط بطبيعة العطاء - كأعضاء فاعلين ضمن هذه اللجان. إن هذا التوجه لا يهدف إلى استبدال المنظومة القائمة، بل يسعى إلى إثرائها بطبقة إضافية من الحوكمة الوقائية، مع التأكيد على المسؤولية القانونية الجماعية للجنة عن كافة قراراتها.
إن هذا المقترح لا ينطلق من التشكيك في نزاهة الكوادر المدنية المخلصة، بل يستند إلى فلسفة الإدارة الحديثة التي ترى في 'تنوع الخبرات' ضمانة لجودة المخرجات. فالضباط المتقاعدون يمثلون رصيداً استراتيجياً للدولة؛ إذ صُقلت خبراتهم في مدارس مؤسسية عريقة تقوم على الانضباط الصارم، والالتزام الحرفي بالأنظمة، والقدرة العالية على إدارة المشاريع المعقدة في مجالات الهندسة، واللوجستيات، والمالية، والقانون. إن استثمار هذه 'الثقافة المؤسسية' في لجان العطاءات يمنح عملية اتخاذ القرار بعداً رقابياً ذاتياً يعزز من حياديتها واستقلاليتها.
علاوة على القيمة المهنية المضافة، يحمل هذا المقترح بعداً معنوياً جوهرياً يتمثل في 'تعزيز الثقة المجتمعية'. ففي قضايا النزاهة، لا يكفي أن يتحقق العدل، بل يجب أن يرى المجتمع أن الإجراءات تتسم بالعدالة والشفافية المطلقة. إن وجود خبرات وطنية مستقلة ومشهود لها بالانضباط يبعث برسالة طمأنينة للمواطن والمستثمر على حد سواء، بأن المال العام يُدار وفق أعلى معايير المسؤولية الوطنية، وأن المنافسة تخضع لمسطرة واحدة من النزاهة.
إن دمج الضباط المتقاعدين في لجان العطاءات لن يكون بديلاً عن الأجهزة الرقابية السيادية، بل سيعمل كآلية 'رقابة داخلية استباقية'. فالهدف هو تحويل النزاهة من شعار قانوني إلى ممارسة يومية متجذرة في التصميم المؤسسي للدولة. إننا أمام فرصة حقيقية لتحويل الخبرات المتراكمة لدى المتقاعدين - عسكريين ومدنيين - إلى طاقة بناءة في المواقع التي تتطلب الرأي التجردي والخبرة العميقة والقرار المسؤول.
ختاماً، إن حماية المال العام هي مسؤولية تشاركية تتطلب إرادة إصلاحية وعقلاً منفتحاً على الحلول المبتكرة. إن مستقبلاً يقوم على النزاهة والشفافية هو الضمانة الحقيقية لأمن الوطن واستقراره الاقتصادي. ومن الحكمة أن نستثمر في الوقاية اليوم، لنحمي مقدرات الغد، مؤمنين بأن كل جهد يصب في تعزيز الثقة بمؤسسات الدولة هو استثمار في قوة الدولة ومنعتها.
* أمين عام سابق

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم