م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين تتراكم الأزمات .. وتنتظر الدولة لحظة المراجعة

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11743
 م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين تتراكم الأزمات ..  وتنتظر الدولة لحظة المراجعة
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

قراءة في المشهد السياسي الأردني

لا تدخل الدول في أزماتها الكبرى دفعة واحدة، بل تتسلل إليها على هيئة أحداث متفرقة تبدو في ظاهرها مستقلة، لكنها في وعي المواطن تتحول إلى سلسلة واحدة. فالقضية لا تكمن في حادثة هنا، أو قرار هناك، وإنما في الأثر التراكمي الذي تتركه هذه الوقائع في الضمير العام.
في الأشهر الأخيرة، وجد الأردني نفسه أمام مشهد سياسي متسارع؛ وزير يغادر موقعه على خلفية قضية تتعلق بتضارب المصالح، وأزمة مدافئ الغاز التي أودت بأرواح أبرياء وانتهت بإحالة مدير عام إلى التقاعد، ونقاشات عامة لا تهدأ حول قضايا تتعلق بالإدارة العامة والحوكمة والنزاهة. وكل حدث من هذه الأحداث له ظروفه الخاصة، لكن المواطن لا يقرأها منفصلة، بل يربط بينها ليكوّن انطباعًا عاماً عن أداء الدولة.
وما يزيد المشهد تعقيدًا أن المؤسسة التي منحها الدستور سلطة الرقابة على الحكومة تبدو، في نظر قطاع من الرأي العام، أقل حضورًا مما تقتضيه طبيعة المرحلة. فحين يشتد الجدل الوطني، ينتظر الناس من مجلس النواب أن يكون صوت المساءلة، وأن يمارس دوره الرقابي بكفاءة ووضوح، لأن الرقابة ليست ترفًا سياسياً، بل هي أحد أعمدة الاستقرار، ووسيلة لحماية الثقة قبل أن تكون وسيلة لمحاسبة المسؤولين.
إن الصمت في لحظات التحول ليس موقفًا محايدًا؛ فالمجتمعات تفسر الفراغ بطريقتها، وتبحث عن الإجابات حيثما وجدتها. لذلك فإن غياب المبادرة المؤسسية في مساءلة الأداء يفتح الباب أمام تضخم الأسئلة وتنامي القلق، حتى وإن لم تكن كل الروايات المتداولة صحيحة أو مكتملة.
وفي الإقليم، يتابع الأردني ما يجري في العراق من حملات معلنة لمكافحة الفساد، وما يصاحبها من نقاشات سياسية وإعلامية واسعة. وبغض النظر عن اختلاف التجارب والظروف بين الدول، فإن هذه المشاهد تترك أثرًا في الوعي الشعبي الأردني، وتدفع المواطنين إلى طرح أسئلة مشروعة حول كفاءة منظومة المساءلة والرقابة، وحول قدرة المؤسسات على ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية.
غير أن المواطن الأردني لا يطرح هذه الأسئلة من موقع الترف السياسي، بل من موقع الإرهاق. فقد أثقلت كاهله سنوات من الضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، حتى أصبح الصمود ذاته إنجازًا يوميًا. وعندما تتزامن هذه المعاناة مع أزمات سياسية وإدارية متلاحقة، فإن الثقة تصبح المورد الأكثر حساسية، لأنها أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع.
إن الدولة لا تحتاج اليوم إلى إدارة الأزمات فقط، بل إلى إدارة الثقة. والثقة لا تُبنى بالتصريحات، وإنما بمؤسسات رقابية فاعلة، ومحاسبة شفافة، وقوانين تُطبق على الجميع دون استثناء، وحياة نيابية يشعر المواطن بأنها تمارس دورها الدستوري باستقلال ومسؤولية.
فالسياسة، في جوهرها، ليست فن إدارة السلطة، بل فن الحفاظ على ثقة الناس. وإذا كانت الحكومات تُقاس بقدرتها على اتخاذ القرار، فإن الدول تُقاس بقدرتها على ترسيخ العدالة، وتفعيل الرقابة، وتجديد الثقة في كل مرة تهب فيها رياح الأزمات.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم