الدكتورة دانييلا القرعان تكتب: هل يذكرنا نموذج علي الزيدي بوصفي التل؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 21088
الدكتورة دانييلا القرعان تكتب: هل يذكرنا نموذج علي الزيدي بوصفي التل؟
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

منذ أن بدأ رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي حديثه عن حماية المال العام، وملاحقة الفساد، وإعادة هيبة الدولة، عاد إلى أذهان كثيرين في الأردن اسم رجلٍ ما زال حاضراً في الذاكرة الوطنية رغم مرور أكثر من نصف قرن على رحيله: وصفي التل.

قد يكون الزمن مختلفاً، والبلدان مختلفين، والظروف السياسية متباينة، لكن هناك قاسماً مشتركاً يجعل المقارنة مشروعة، وهو صورة المسؤول الذي يعلن منذ اليوم الأول أن المال العام خط أحمر، وأن الدولة لا يمكن أن تنهض إذا بقي الفساد فوق القانون. وقد تعهد الزيدي، منذ تسلمه رئاسة الحكومة، بحماية المال العام، مؤكداً أن الفساد لم يعد مجرد خلل إداري، بل أصبح عائقاً أمام التنمية، وأن حكومته ماضية في استرداد الأموال العامة ومحاسبة المتورطين، وهو ما بدأ يترجم بحملات واسعة لملاحقة ملفات الفساد.

وصفي التل لم يكن يُعرف بكثرة الخطابات، بل بالفعل. ارتبط اسمه بالنزاهة والانضباط والصرامة في إدارة الدولة، وكان شديد الحساسية تجاه المال العام، حتى أصبح مضرب المثل في نظافة اليد، وهيبة المسؤول، ورفض المحسوبيات. لذلك بقي اسمه حياً في وجدان الأردنيين بوصفه نموذجاً لرجل الدولة الذي قدّم المصلحة العامة على أي اعتبار آخر.

أما علي الزيدي، فما يزال في بداية الطريق، ومن المبكر الحكم على تجربته حكماً نهائياً. فالتصريحات وحدها لا تكفي، والنجاح الحقيقي يقاس بما ستنتجه الأيام من نتائج، وبمدى قدرة حكومته على تحويل الوعود إلى مؤسسات وقوانين وأحكام تطال الجميع بلا استثناء.

ومع ذلك، فإن الشعوب العربية أصبحت متعطشة لرؤية مسؤول يتحدث بلغة الدولة لا بلغة المساومات، ولغة القانون لا لغة الصفقات، ولغة حماية المال العام لا تبرير هدره، ولذلك يحظى خطاب الزيدي باهتمام واسع داخل العراق وخارجه، لأنه يلامس أمنية قديمة لدى المواطن العربي: أن يرى الفاسد أمام القضاء، لا فوقه.

في الأردن، لا يحتاج الناس إلى استنساخ الأشخاص، فوصفي التل لا يتكرر كإنسان، لكن قيمه يمكن أن تتكرر. فالأردنيون لا يبحثون عن اسم جديد بقدر ما يبحثون عن مسؤول يحمل صفات وصفي: النزاهة، والحزم، والشجاعة في اتخاذ القرار، وعدم الخضوع لمراكز النفوذ، والإيمان بأن المال العام أمانة لا غنيمة.

لعل تجربة العراق اليوم تذكرنا بأن الشعوب لا تفقد الأمل في الإصلاح مهما طال الزمن، ومحاربة الفساد ليست شعاراً سياسياً، بل الشرط الأول لبناء الدولة واستعادة ثقة المواطنين.

لهذا، فإن كثيراً من الأردنيين وهم يتابعون تصريحات علي الزيدي وحملته ضد الفساد، يستحضرون تلقائياً صورة وصفي التل، لا لأن الرجلين نسخة واحدة، بل لأنهما يلتقيان في الفكرة التي يشتاق إليها الناس: دولة قوية، ومال عام مصان، ومسؤول يخشى ضميره قبل أن يخشى القانون.

نحن في الأردن لا نبحث عن وصفي التل جديد بالاسم، فوصفي سيبقى حالة وطنية استثنائية، لكننا نتمنى أن يظهر بيننا مسؤول يحمل روحه، ويجسد نهجه، ويؤمن كما آمن بأن هيبة الدولة تبدأ من هيبة القانون، وأن احترام المواطن يبدأ من احترام المال العام. وإذا نجح علي الزيدي في تحويل وعوده إلى واقع، فسيكون قد قدم نموذجاً عربياً جديداً يؤكد أن زمن رجال الدولة الحقيقيين لم ينتهِ بعد.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم